.
.
.
.

مستقبل العمالة الوافدة في السعودية

سطام المقرن

نشر في: آخر تحديث:

بث بعض القنوات الفضائية مثل (بي بي سي البريطانية) و(دي دبليو الألمانية) تقارير عن مخاطر القرارات الأخيرة المتعلقة بسوق العمل على مستقبل العمالة الوافدة في السعودية، مثل سعودة بعض الأنشطة التجارية وفرض الرسوم، حيث يخشى من تلك القرارات التأثير السلبي على متطلبات سوق العمل، وسير أنشطة قطاعات حيوية عديدة في الاقتصاد السعودي، بالإضافة إلى هجرة المزيد من الكفاءات وحرمان الاقتصاد السعودي من خبرات يصعب عليه الاستغناء عنها!.

التقارير السابقة في الحقيقة تجهل واقع سوق العمل في السعودية، ولم تأخذ في الاعتبار الآثار السلبية للاستمرار المتزايد في استقدام العمالة الوافدة، الذي أدى إلى وجود تشوهات في سوق العمل، يتمثل أخطرها في ظهور البطالة في أوساط العمالة الوطنية في ظل التوسع في التعليم والتدريب، حيث ظهر واقع جديد يفرض أهمية إيجاد رؤية جديدة لحل قضايا السعودة والتوظيف والبطالة في المملكة.

كما أستغرب من تلك القنوات الفضائية تجاهلها الشروط المعقدة والصعبة نسبياً لاستقدام العمالة الوافدة في بريطانيا وألمانيا، ناهيك عن فرض الضرائب المباشرة على الرواتب والتأمينات الخاصة بالعمالة، علماً بأن سوق العمل السعودي يتميز بحرية نسبية في الاستقدام تفوق حرية الاستقدام في معظم دول العالم، في حين تقيد قوانين معظم الدول استقدام الأجانب.

في الماضي، أسهمت الطفرة النفطية في فترة السبعينيات الميلادية في تسارع التوسع في إنشاء مشاريع البنية التحتية وارتفاع الطلب على عناصر الإنتاج، مما أدى إلى استقدام العمالة الوافدة بأعداد كبيرة لسد الفجوة في الطلب على العمالة في المدى القصير، على أن يتم الاستغناء عن خدمات العمالة الوافدة تدريجياً في المدى الطويل عند التمكن من بناء القدرة والموارد البشرية الوطنية، وبعد الانتهاء من مشاريع البنية التحتية استمرت عملية استقدام العمالة، بالإضافة إلى تبني الحكومة سياسة توظيف توسعية في القطاع الحكومي برواتب مجزية وأمان وظيفي حتى سن التقاعد، وبالتالي دفع القطاع الخاص للاعتماد على العمالة الوافدة برواتب منخفضة نسبياً، وأقل تكلفة، مما أدى إلى تسارع معدلات البطالة بين السعوديين.

ونتيجةً لتزايد معدلات الاستقدام في المملكة، ظهرت المتاجرة بالتأشيرات والتي تعد من أبرز التشوهات في سوق العمل السعودي، ويعاني منها المواطنون والمقيمون من العمالة الوافدة على حد سواء، كما تعد من أسباب وجود الجرائم الجنائية والاقتصادية في المملكة، بالإضافة إلى تحايل بعض الشركات والمؤسسات على الأنظمة والقوانين للحصول على خطابات التأييد من الجهات الحكومية لاستقدام العمالة، وبالتالي استقدام عمالة أكثر من حاجة هذه الشركات من أجل بيع التأشيرات أو تأجير العمالة على الشركات الأخرى.

بالإضافة إلى ما سبق ظهرت إشكالية أخرى في سوق العمل السعودي، وهي التستر التجاري، وفي هذا الصدد يقول الأستاذ عمرو فلمبان في كتابه «المدير السعودي القادم» ما نصه: «موظف حكومي.. ادخر مبلغاً صغيراً.. قرر مشاركة رجل أجنبي ليفتح له محل حلاقة أو بقالة من مبدأ التمويل أو المشاركة بالربح، وفي الغالب تحديد مبلغ شهري معين (يدفعه الوافد إلى المواطن).. انتشرت هذه المشاريع بشكل كبير مع توفر العمالة الأجنبية المتخلفة (غير النظامية أو تكون على كفالة المواطن المتستر)، وأصبحت تشكل دخلاً إضافياً لكثير من المواطنين.. نتج عن هذا النموذج من المشاريع الصغيرة بعض من المعضلات التي نعاني منها اليوم، وهي نتاج أربعة عقود متراكمة من عدم التركيز والتحليل لهذا الاقتصاد الموازي الذي أضر بالبلد ضرراً كبيراً».

وليس هذا وحسب، بل ظهرت سوق سوداء تديرها عمالة وافدة تقوم بالغش في المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية وبيعها في البقالات ومحلات التجزئة، حيث ظهرت مصانع غير مرخصة تقوم بتقليد العلامات التجارية المعروفة أو بيع المواد الغذائية الفاسدة أو السلع المسروقة، بالإضافة إلى دخول عمالة وافدة غير مدربة وغير ماهرة وبكثرة في مشاريع البنية التحتية.

وبناءً على ما سبق، تحاول الحكومة السعودية تنظيم سوق العمل، وإزالة التشوهات الموجودة فيه من خلال زيادة مستديمة في مساهمة الموارد البشرية المواطنة، والارتقاء بإنتاجية العامل المحلي، والمواءمة بين المعروض والمطلوب من العمالة، بالإضافة إلى القضاء على التستر التجاري والمتاجرة بالتأشيرات ومكافحة الغش التجاري، والحد من الاستقدام واقتصاره على الكفاءات المؤهلة والمدربة.

وعلى هذا الأساس، فإن القرارات الأخيرة التي تخص سوق العمل السعودي لن تضر إلا العمالة الوافدة غير النظامية وغير المدربة وغير المؤهلة، والتي تعمل في الخفاء وفي السوق السوداء، ولهذا يجب أن تكون هناك خطوات أكثر نحو تقييد حرية الاستقدام وتقليص معدلات البطالة بين المواطنين، بحيث تكون هناك سوق تنافسية للطلب على العمالة الأكثر كفاءة وأكثر تأهيلاً وتدريباً، والأولوية بالطبع تكون للمواطنين.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.