.
.
.
.

لماذا يرفضون أبو جفين؟

أمجد المنيف

نشر في: آخر تحديث:

ما أعرفه، وهو الطبيعي في كل المجتمعات، أن مخالفة القانون أو النظام، هي المعيار للرفض المجتمعي أو العقاب. كل ما سواه يظل انطباعات، تختلف بحسب الأجندة الذاتية، والثقافات والخبرات، والاصطفاف لمعسكرات حقيقية ووهمية. هذا الأساس، يجب أن ننطلق منه دائماً.

بداية، أنا سعيد من الحوار الذي يحدث حول كتاب «أبو جفين» الشهير، طالما ظل في مساحات الآراء، لأنه صحي، يغذي الحالة الثقافية والمجتمعية، ويسهم في الأنسنة أكثر. لكن متى ما تعدى ذلك، إلى مستوى الوصاية، يتحول من رأي إلى تسلط، على ذائقة ورأي واستقلال الآخرين.

أستغرب الآراء التي ترفض المحاولات الأولية، الأول من كل شيء هو محور التشكل، ولنعود إلى كتب أنيس منصور الأولى لنعرف كمية البساطة، قبل أن تنضج القناعات، ويتحول اسما يضاف إلى رجالات الأدب والثقافة. فيا ليت هذه الآراء لاحقت الذين يسرقون الكتب، ويتباهون بها، أو التي تدعو إلى تغذية العنصرية والتطرف، أو أي كتاب يخالف القوانين.

عندما نتحدث عن هذه القضية، فنحن نتحدث بالضرورة عن حالة جديدة تتموضع تدريجياً في المجتمع، بدأت منذ سنوات، الانقسام لفريقين: الفريق التقليدي النخبوي، والفريق الحديث الشعبوي. وتقاسم المنصات والغنائم، في حالة تأهب وتشكيك ومراقبة. ليس كل المنتمين لأي من الفريقين بنفس القدر من الإنتاج، السيئ والجيد محتمل من الاثنين، لا يمكن تعميمه، أو وصفه في وضع شامل. يجب محاسبة المنتج، بشكل منفرد.

أظن، وقد أبدو مخطئاً، أن هناك ردة فعل، من قبل ما يعرف بـ»النخب»، تعتقد أن هناك حالة جديدة من الاهتمام. اختارت أسماء ليست من معاييرهم، وتجاوزت دوائرهم الضيقة. وهذا الرفض كان في وقت سابق من قبل العاملين في الصحافة النخبوية عندما تدفق عليهم بعض المقبلين من الصحافة الشعبية، ثم ما لبثوا حتى اندمجوا، وبعضهم أصبح قائداً، في المناخ الجديد.

النقطة الأهم، والتي قد تغيب عني قبلكم، هو أن ما يعرفون بـ»مشاهير الإعلام الجديد» ليس شيئاً طارئاً الآن، بل واقع، اختارهم المجتمع، بكلما يحمل من تنوع، وتدرجات بالقبول والانتشار والرفض. الإلغاء التام، أو محاولة تسطيح كل ما يمكن أن يكون من قبلهم ليس عادلاً. بعضهم يقدم محتوى متواضعاً، وآخرون يقدمون أشياء تخصصية، وهناك فئة تبدأ بشكل ضعيف، ثم تطور محتواها لاحقاً. الرفض، كانطباع عام، أظنه ليس منصفاً.

لو افترضنا أن الكتاب ليس جيداً، وفقاً لمنطلقات من هاجموه (حتى قبل القراءة)، فهناك المئات من الكتب الرديئة غيره، يقابلها الآلاف من الكتب الجيدة، المهم أن نقرأ، أن ندعم الكتابة والتأليف، الشيء المتواضع يصبح نوعياً يوماً. ثم أن قراءة الرديء يدلنا إلى الجيد، ويعلمنا على الفرز والاختيار.

اعتقاد أن كتاباً واحداً يمكن أن يتمكن من الأدب، فهذا يعني أن أدبنا أقل من أن يجابه كتاباً يتيماً. الأمر نفسه عندما نعتقد أن كلمة إنجليزية تلغي ثراء لغتنا، أو ممارسات رجل دين مراهق تضعف ديننا. يجب أن نعتز بأشيائنا، ألا نعاملها وكأنها هشة، تتأثر سريعاً.
أخيراً.. ليتنا نناقش القضايا من دون تشنج، بلا إقصاء أو تقليل. أن نؤمن بتنوع الخيارات، أن ما لا يناسبنا هو أولوية لآخرين. أن نزرع أجنحة للتحليق، قبل أن نكسر المجاديف. والسلام..

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.