.
.
.
.

"السعودية إكسبرس"

فهد الدغيثر

نشر في: آخر تحديث:

لم يسبق أن تصدرت المملكة العربية السعودية عناوين الأخبار العالمية لفترة زمنية مستمرة بلا انقطاع كما هي الآن، ونحن نتحدث هنا عن أشهر وليس أيام أو أسابيع. حتى سنوات بروز «القاعدة» وما أقدمت عليه من جرائم ومآسٍ وإراقة دماء داخل المملكة وخارجها لم ينل مثل هذا الاهتمام والصفة الاستمرارية، كان من أهم مسببات هذه «الظاهرة» الإعلان عن البدء في إعادة هيكلة الوطن السعودي بأكمله سياسياً واجتماعياً واقتصادياً قبل أكثر من عام، مع هذا الزخم الهائل من الإرادة والهمة والطموح وعظم المسؤولية تسابق المحللون الاقتصاديون ومراكز الدراسات والخبرات الاستشارية العالمية وبيوت المال الكبرى أولاً لمحاولة استيعاب ما تخطط له القيادة السعودية الجديدة وثانياً لنيل مراكز متقدمة للفوز بمشاركة ما. على المستوى الإعلامي نتابع الإثارة في كل مكان وفي عشرات اللغات في برامج إخبارية ولقاءات لا تتوقف عن الحديث عن المملكة وتحديداً عن شخصية ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مهندس هذا التوجه الطموح.

وصل ذلك إلى أعلى مستوياته في الأسبوعين الماضيين، إذ، وفضلاً عن المهمات الضخمة في الداخل، زار الأمير محمد كلاً من مصر وبريطانيا قبل بضعة أيام واستقبل هناك كما يُستقبل ملوك ورؤساء الدول، ثم بثت محطة CBS عبر برنامجها الإخباري ذائع الصيت 60 Minutes وهو الأكثر صدقية والفائز بأكبر عدد من الجوائز الكبرى، مقابلتها المنتظرة مع الأمير، وتحركت الماكينات الإعلامية المنصفة تتحدث بموضوعية ومنطق ومهنية عن الإجابات الحاسمة والمختصرة التي أذهل بها متابعيه، وفي المقابل وجدنا قنوات ومنصات إعلامية منحازة لأجنداتها تتهاوى في «مهنيتها» وأظهرت ارتباكاً كما لو أن زلزالاً أصابها.

الآن يوجد ولي العهد في الولايات المتحدة الأميركية المعقل الهائل للعقول والصناعات العسكرية والمؤسسات المالية والتكنولوجية وأيضاً الوكالات والمؤسسات الإعلامية الأضخم عالمياً في جولة داخلية تشمل أكثر من ست مدن أميركية وتستمر لأكثر من أسبوعين. في اللقاء مع الرئيس ترامب تحدث الأمير بكلمة موجزة كما هي العادة في استقبالات البيت الأبيض. أوضح بإثارته الإيجابية المبهرة وبصراحته المعهودة ومن دون أن يستعين بمادة مكتوبة، أن علاقات بلاده مع أميركا والممتدة لما يقرب من قرن تستمر وتنمو للأفضل. قال أيضاً إن ما تم الاتفاق عليه في الرياض قبل عام خلال زيارة الرئيس ترامب إلى المملكة، من صفقات عسكرية ولوجستية، كان من أسباب تقليص نسبة البطالة في أميركا وساهم أيضاً بخلق وظائف في السعودية. عبارات مباشرة وجديدة وجادة خالية من الحشو التقليدي الذي اعتدنا عليه في حديث الديبلوماسيين. الأمير خاطب الرئيس نداً لند واستخدم وللمرة الأولى اللغة الإنكليزية.

مهمة ولي العهد ليست فقط حضّ الحلفاء الغربيين على العودة وبقوة إلى الشرق الأوسط بعد غياب سنوات في عهد الرئيس السابق أوباما، والعمل مع دول المنطقة لدحر التوسع الإيراني ومحاصرة التطرف، بل إغراء المحافظ الأميركية الضخمة والشركات ذات العلاقة للاستثمار في بلاده. بمعنى أن نمو المنطقة والسعودية في شكل خاص وارتفاع مستويات دخل مواطنيها ومساهمة الأميركيين بذلك مع العوائد المتوقعة لكل الأطراف تتطلب تأمين البيئة الملائمة للاستثمار والعمل وفي أولوياتها بالطبع السلام والأمن.

لا شك في أن المملكة ودول الخليج «العاقلة» أصبحت في العقدين الماضيين من أكثر مناطق العالم نمواً وجذباً للاستثمار. السعودية تحديداً وقد بدأت بالنموذج الجديد المبهر الذي يعتمد على الانفتاح والتسامح وتعدد مصادر الدخل وتعديل الأنظمة ومرونتها، ستمنح العالم فرصاً هائلة للمساهمة في هذا المشروع غير المسبوق في منطقتنا الإستراتيجية. حديثنا يشمل مساهمات مالية ومعرفية ولوجستية تغطي مساحات شاسعة في هذه «القارة». ضمان وجود البيئة الآمنة الخالية من الأخطار من خلال التواجد العسكري والاقتصادي الأميركي والأوروبي، إضافة إلى قوات دول الخليج المتنامية، خير ضمان، بعد الله، لتحقيق ذلك. إذاً فالمهمة لم تعد مجرد حماية لمنابع النفط كما هي الحال طوال العقود الماضية بل أصبحت شراكة إستراتيجية ومنافع مشتركة واضحة المعالم وتتحدث بلغة الأرقام.

كما أن بروز شخصية ولي العهد السعودي الاستثنائية وما يملكه من رؤية واضحة وإرادة صلبة تعتبر اليوم مركز الثقة والاهتمام في العالم. تاريخياً ستتحول النقلة النوعية التي تحدث في المملكة على المستويات السياسة والاقتصادية والاجتماعية كافة إلى مادة علمية كحالة جديدة تحدث ربما للمرة الأولى في تاريخ الدول. سيراقب العالم خطوات النجاح ويتابع تحقيق الأهداف وكيفية معالجة العقبات وقد تتحول إلى نموذج عالمي بديل للمفهوم السابق لأي تغيير بهذا الحجم المتمثل بضرورة وقوع الثورات والدمار والدماء والعنف قبل كل شيء.

على أن ولي العهد الذي يقتحم أبواب التاريخ من منافذ عدة حميدة وسلمية لا يقلل من أهمية وحساسية ذلك بل ويدرك حجم المهمة وتحدياتها الهائلة ومع ذلك لن يقف أو يتردد. نقرأ ذلك من خلال إجابة أدلى بها في إحدى مقابلاته قبل أيام عندما قال رداً على سؤال عن أخطر التحديات التي يواجهها فأجاب اقتناع المواطن وثقته بمنافع هذا التحول. يقول ذلك ليس انتقاصاً بثقة الشعب السعودي بقيادته ولكن بسبب الحاجة لسرعة انخراط شباب الوطن في هذه النهضة التي فرضتها كل الظروف المحيطة داخلياً وخارجياً وهل بمقدور المواطن استيعاب كل ذلك دفعة واحدة فضلاً عن المشاركة به. أما موضوع العزيمة والتصميم وهل سيتردد أو يتوقف لأي سبب وما الذي قد يوقفه، وهذا سؤال ضمن أسئلة محطة CBS، فقد كانت إجابة الأمير الموت فقط هو القادر على إيقافي.

استناداً إلى كل ما نشاهده أمامنا وما خلص إليه عدد من المحللين والخبراء حول العالم، ستستمر المملكة بقيادتها الحيوية المعاصرة في قفزها إلى الأمام على مرأى ومراقبة وذهول العالم. من يسعفه الحظ سواء كان مستثمراً أو مجرد مشارك في هذه النهضة سيجد لنفسه مكاناً في عربة «السعودية إكسبرس». في المقابل من يغلب عليهم التردد والتوجس وتورم الطاقة السلبية في ذاتهم سيجدون القطار قد ابتعد عنهم في لمح البصر ولن يتمكنوا، إن شاءوا في ما بعد، من اللحاق به.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.