.
.
.
.

جيش التحريش

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

سلامة الصدر من أثر الغيبة والنميمة والوشاية والوقيعة، والمشافهة التي -ربما- لا يجد الأولون وسيلة غيرها، إلى كل الوسائل المستحدثة، التي أوغل كثيرون في استخدامها منصاتٍ للغيبة والنميمة، وفرغوا أنفسهم لنقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، غاية عظمى، كيف يسلم منها المرء، وكيف ينجو؟

قد لا أجد منطقًا يشف عن حال الذين نذروا أعمارهم وألسنتهم في التحريش بين المسلمين إنعاشًا لأمل إبليس الذي أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم، فانضموا بمهاراتهم إلى جندِه، ولا يرِدُون ولا يصدرون إلا بوسوسة من عندِه، ووضعوا على عواتقهم عهدًا ألاّ يهدأ بال أحدهم إلا وقد فرقوا المسلمين شيعاً وأحزاباً، وجعلوا لكل فرقةٍ وجهةً ومحراباً!

والذي يوعّر سبيل التعريف بهم؛ هو إلباسهم «النميمة» لباس النصح للجماعة، وتصويرهم أن البغضاء بين المسلمين والوقيعة في الأعراض قربة وطاعة، فعزّ على مَن يريد التعريف بهم الأسلوب الملائم، إما تحرجاً عمّا يستوعبهم من الوصف، أو تفاديًا لما يبدر منهم من السب والشتائم، ولكن مهما استطاعوا بمهاراتهم وإعلامهم تحقيق بعض مآربهم، فسينقلب السحر على الساحر، وتكثر يوم النصر للصابرين الغنائم.
وفي هذه الأسطر سأضع النصيحة النبوية كوقاية من السير في سبيلهم واتقاء وصفٍ لا يقوم إلا بهم، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر »، وهو حديث ضعفه بعض أهل العلم، وكلامي عن معناه، فمعناه صحيح.

فسلامة الصدر من أثر الغيبة والنميمة والوشاية والوقيعة، والمشافهة التي -ربما- لا يجد الأولون وسيلة غيرها، إلى كل الوسائل المستحدثة، التي أوغل كثيرون في استخدامها منصاتٍ للغيبة والنميمة، وفرغوا أنفسهم لنقل الحديث بين الناس على وجه الإفساد، غاية عظمى، كيف يسلم منها المرء، وكيف ينجو؟

وإن في كل شريحة ووجهةٍ تجد من أولئك من يعكر صفو تآلف القلوب، وسلامة الصدور، بغض النظر عن انتسابها لدينِ أو لفنٍ أو لرياضةٍ، أو لغير ذلك، فحين يجد أحدنا نفسه بحاجةِ لتستجم من كد الدنيا، ويفكر في المكث قليلاً يستمتع بمهارات وهوايات جيل المستقبل في الرياضة مثلاً، يجد من يحاول أن يذكي ضرام الشتيمة بين الجماهير، ويلبس تشجيعه لباس التعصب والولاء لفريقه، ولكنه يسيء إليهم من حيث لا يشعرون، وهي الظاهرة التي يجب أن تعالج بنفس الدواء! وإذا قلبت طرفك في رياض المبدعين تجد من يؤجج نار الخلاف في أوساطهم، وكم نرى ذلك في القنوات وفي مواقع التواصل وفي وغير ذلك.

وقد يتساءل البعض عن الغاية من ذلك؟ فالجواب ربما كان بقاء بعض التجارات على استدامة الخصومات، واستمرار العداوات، وكثرة المشاحنات، وبعض النفوس سجيتها وراحتها في خلق الخصومات بين الناس، وهذا من أكبر العوائق في طريق بناء شرائح المجتمعات، فإذا صار المتنافسون يخفي كل أحد قصوره، ويتهم منافسه بما ليس فيه، فمن أين يعرف المخطئ خطأه فيصححه، ويعترف الآخر بفضل غيره فيلحقه ويسبقه؟

وقد يظن البعض أن ذلك يقتصر على من ذكرنا، وليس هذا بصحيح، فبين أهل السياسة الأمر أشد من ذلك وهم أولى الناس بنصيحة النبي صلى الله عليه وآله الآنفة الذكر، فبصلاحهم تصلح العباد والبلاد وبتآلفهم تتآلف النفوس والقلوب، وما أحوجنا وأحوجهم إلى قولنا لأقلام الوقيعة والنميمة: كُفّوا.

ولا أنسى أيضاً نصيبنا نحن أيضاً -معشر الدعاة وأهل الوعظ والخطباء- فإبليس أشد حرصاً على التفريق في هذه الطائفة؛ لمكانتهم بين الناس، وجنده في مهمته هذه يزودهم بالكلام المعسول، وليّ أعناق المعقول والمنقول، فينقلون الحديث بين العلماء والمشايخ ونحوهم على غير وجهه، فإذا بكل فريق يشهر ويحشر ما استطاع للنيل ممن صوره إبليس له خصماً! وكان يكفينا شر هذه البلية، ولا نحتاج بعده أن نسترجع من عظم المصيبة والرزية، أن نقول ما روي عن قدوتنا صلى الله عليه وآله « لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئاً، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». هذا، والله من وراء القصد

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.