حين يرحل الأصدقاء!!
في مقتبل العمر، لم يكن لخبر الموت والرحيل هذا الوقع الكبير والتوقف المؤلم والتأمل العميق.. حيوية الشباب وسؤال العمر وسنواته كانت تحجب المسافات بين الراحل والسادر في طريق الحياة.. لكن في مراحل أخرى، وسنوات العمر تترا، والعقود لا تنزاح عن كاهل العابر لهذه الحياة، يصبح للموت وقع آخر وشعور آخر..
كان الخبر مؤلماً وصادماً ومؤثراً.. رحل إثر حادث أليم، وهكذا هو الموت، إنه لا ينتظر الأحلام أن تتحقق ولا المشروعات أن تنجز ولا اللقاءات المؤجلة أن تتحقق، إنه الحقيقة الكبرى التي طالما تجاهلها البشر في وقت قوتهم وحضورهم وأحلامهم وتطلعاتهم.
وهكذا رحل الصديق «علي العنيزان»، بالأمس كنت أهاتفه واليوم أستقبل خبر رحيله.. يأتي الموت أحياناً بلا مقدمات، يخطف خطفته ويمضي.
عرفته إنساناً خلوقاً، رقيقاً، يحاذر أن يجرح أو يؤلم الآخر مهما بدا من شقاق أو اختلاف.. وعرفته مناضلاً هادئاً، وعقلاً منظماً، وإيماناً قوياً بما يعتنق. رحل فجأة فكان رحيله غصة في قلوب أهله ومحبيه وعارفيه وأصدقائه ورفاق رحلته ومرحلته.
قبل عقدين تقريباً، تعرفت إلى مجموعة نادرة مازلت احتفظ لهم بقدر كبير من الاحترام والتقدير، وكان الراحل علي العنيزان من بينهم، كان الأكثر هدوءاً والأقل حديثاً، والأبعد عن الصدام والجدل غير المنتج.. كان مظهره بسيطاً وابتسامته لا تفارق محياه، إلا أنه كان يحمل عمقاً قد لا تلاحظه إلا عندما ينبري لاستقطاع فرصة حديث، لم يكن يلح طلباً له أو استئثاراً به.
لا يمكن الحديث عن الراحل دون الحديث عن أصدقائه الخلص. كنت أحاول اكتشاف مرحلة من خلال اكتشافهم، كانوا من جيل تشرب الوطنية بامتياز، ليس على طريقة مدعيها أو المتشدقين بها.. ولكن من خلال منظومة قيم لا يمكن القفز فوقها، ولا يمكن تحقيق ما يحلمون به إلا من خلال ما يؤمنون به ويدافعون عنه، ويتدافعون معه وحوله.
وكنت من خلالهم أحاول أن أفهم أبعاد مرحلة ونطاق تفكير ورؤية. الحاضر لا يمكن فصله عن الماضي مهما بدت الفوارق وعوامل التعرية والارتحال. ومهما بدت الاختلافات في الرؤى فقد ظلت القيم الكبرى تشد بعضهم إلى بعض. ومن يعتقد أن الاحترام والتقدير مرتبط بالاتفاق والتطابق وعلاقات الصداقة الحميمية يرتكب خطيئة، خاصة عندما يخذل إيمانه بالقيم الأساسية الكبرى في الحياة لصالح عواطف وأمزجة خاصة يعتريها ما يعتري البشر عادة من تقلبات.
في مطلع 2011، جاء الزلزال الكبير مع موجة الانتفاضات التي شهدتها العديد من الدول العربية.. وفي المسألة السورية تحديداً بدا أننا أمام رؤيتين مختلفتين؛ هناك من يرى أن المشكلة الكبرى تكمن في نظام قمعي عصبوي لا مثيل له في قمعه ودمويته وتدميره، وأنه لا يمكن لهذه الشعوب المقهورة والمقتولة أن تجد تطريقها للحياة إلا بالتخلص من آثار ذلك النظام وأشباهه الذي صنع كوابيس في المنطقة بأسرها. وهناك من يتجاهل كل هذا ويرى أن المؤامرة هي المحرك والفاعل لاستهداف نظام ممانعة ومقاومة!!
تصاعد الجدل، فكان الانسحاب أفضل من الاستمرار في جدل لا يثمر سوى عن فقد البقية الباقية من عناصر وطنية أؤمن أن مبادئها الكبرى إنسانية وحقوقية، وإن كانت في منعطفات الأحداث تبدو أحيانا تبريرية هشة!!
وقد أعجب أحيانا كيف أن النوع من الخلافات في الفكر والرؤى قد تقود إلى اتخاذ مواقف حدية، على الرغم من المشتركات الكبرى. هذا الداء ظاهر في المجتمعات العربية ولا حيلة أمامه إلا بالإصرار على ثقافة تؤمن بالقيم الإنسانية العليا، وخاصة عندما تكون تلك المشتركات ليست محل تشكيك أو محل اختلاف حول قيمها الأساسية.
ظل الصديق الراحل علي العنيزان، عفيف اللسان وكريم الاستجابة ولطيف المعشر، وظل التواصل معه ومع بعض الأصدقاء قائماً عبر وسائل أخرى.. وظلت الرسائل تصل والعلاقة تبدو وشائجها حية لا يمكن أن تنقطع رغم انقطاع اللقاء منذ سنوات.
الإيمان بالقدر والتسليم بقضاء الله لا مندوحة عنه.. وخلال السنوات القليلة الماضية فقدت أصدقاء أعزاء، رحلوا ولم ترحل ذكراهم، انطوت رحلتهم في الحياة ولم تنقطع أعمالهم الخيرة وأياديهم البيضاء وذكراهم العطرة.
في مقتبل العمر، لم يكن لخبر الموت والرحيل هذا الوقع الكبير والتوقف المؤلم والتأمل العميق.. حيوية الشباب وسؤال العمر وسنواته كانت تحجب المسافات بين الراحل، والسادر في طريق الحياة.. لكن في مراحل أخرى، وسنوات العمر تترا، والعقود لا تنزاح عن كاهل العابر لهذه الحياة، يصبح للموت وقع آخر وشعور آخر..
الشباب فورة تشعرك بالأماني العراض بين يديك والانهماك في متع الدنيا تحجب عن ناظريك هذا الراصد الحق. لكن في مرحلة أخرى عندما يرحل الأصدقاء الأقربون، وتجثو فقط الذكريات تلح في استعادة المفقودين والرفاق الراحلين.. لن يكون بمقدورك استعادة يومياتك بتلك السهولة السابقة.. بل سيكون التوقف في تلك المنعطفات والمراحل سمة لا تفارق ملامح تدرك أن الحياة محطات، وقد تقترب من محطتها الأخيرة قبل أن تحزم حقائبك استعداداً للرحيل.
رحم الله الصديق علي العنيزان.. الذي إن كان قد رحل بجسده.. فقد أودع في قلوب أصدقائه فضائل كثيرة وسيرة عطرة كريمة.
*نقلا عن "الرياض".