.
.
.
.

دوائر خاصة لقضايا الفساد

سطام المقرن

نشر في: آخر تحديث:

في خطوة جديدة على طريق الإصلاح الإداري والاقتصادي في السعودية، صدرت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز على استحداث دوائر متخصصة لقضايا الفساد في النيابة العامة، تقوم بالتحقيق والادعاء في قضايا الفساد، وترتبط بالنائب العام مباشرة، حيث كانت تعالج قضايا الفساد في السابق من قبل دائرة جرائم الوظيفة العامة، وحسب تصريح النيابة العامة فإن الهدف من إنشاء تلك الدوائر هو زيادة الفعالية ورفع الجودة والأداء، وتسريع إجراءات قضايا الفساد، على أن تتولى دوائر جرائم الوظيفة العامة معالجة التجاوزات الجنائية المتعلقة بإخلال واجبات الوظيفة.

ولتوضيح دور وطبيعة اختصاصات دوائر قضايا الفساد وتأثيرها على جهود مكافحة الفساد في السعودية، لا بد في البداية من تسليط الضوء على الإشكاليات والتحديات التي كانت تواجه النيابة العامة، وكذلك الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة».

فالمتتبع للتنظيم الإداري الحالي للنيابة العامة يجد أنه يتضمن وحدة للجرائم الاقتصادية، تقوم بالتحقيق في الجرائم الاقتصادية، وهي تلك الجرائم التي تمس بخطورتها الاقتصاد الوطني، وتشكل خطرا على السياسات الاقتصادية، وتعد أعمالا يعاقب عليها النظام الجنائي المالي في المملكة، والإشكال هنا عدم تحديد دقيق لمفهوم الجرائم الاقتصادية، والتفريق بينها وبين الجرائم المالية، فهناك أيضا دوائر تحقيق في الجرائم المالية، وهي الدوائر نفسها التي تعالج جرائم المال حاليا، مما يعني وجود مخاطر التداخل في الاختصاصات بين الدوائر، إضافة إلى غموض التعامل مع قضايا الفساد المالي الموجود في الجهات الحكومية «المال العام».

في المقابل أيضاً نجد إشكالية أخرى تتعلق باختصاصات «نزاهة»، فكما هو معلوم ليس من صلاحية نزاهة «التحقيق أو الاستجواب أو التحقيق الجنائي أو المحاكمة، لأن التحقيق والمحاكمة مسندان لجهات أخرى مستقلة بموجب أنظمة»، فمن باب الاستقلالية لا يمكن لنزاهة أن تتهم وتحقق وتحاكم في آن واحد، والاعتقاد السائد لدى العديد من المواطنين بأن صلاحية نزاهة التحقيق في جرائم الفساد ومن ثم إحالتها مباشرةً إلى القضاء.

ومما سبق، يتضح وجود غموض حول اختصاصات «النيابة العامة» وكذلك «نزاهة» في مجال التحقيق في جرائم الفساد، وهذا الغموض أدّى إلى وجود لبس في كيفية التعامل مع قضايا الفساد، الأمر الذي كان له الأثر السلبي على عملية التنسيق بين الجهات المعنية في هذا المجال، فهناك إشكاليات تتعلق بالدعاوى القضائية ومحاكمة الفاسدين، بالإضافة إلى وجود ضبابية وغموض حول دور الجهات الرقابية في عمليات الضبط القضائي والإجراءات القانونية لمحاكمة المسؤولين عن قضايا الفساد.

فعلى سبيل المثال تنص المادة الثالثة من تنظيم نزاهة على «إحالة المخالفات والتجاوزات المتعلقة بالفساد المالي والإداري عند اكتشافها إلى الجهات الرقابية أو جهات التحقيق بحسب الأحوال»، كما أن الفقرة «2» من نفس المادة تنص صراحة على «التحري عن أوجه الفساد المالي والإداري في عقود الأشغال العامة..»، ومن هنا نستنتج بأن هناك فرقا بين التحقق والتحري أو التقصي بمعنى التأكد، وبين إجراء التحقيق في جرائم الفساد، التي تعني الضبطية القضائية والادعاء العام في المحاكم.

وهذا يعني أن «التحقق» يكون من مسؤولية نزاهة، و«التحقيق» من مسؤولية النيابة العامة تمهيدا لإحالة المخالفات والتأديب وقضايا الفساد إلى المحكمة المختصة.

وللتوضيح أكثر، فإن مسؤولية نزاهة تتمثل في الاستقصاء والتحري في قضايا الفساد والبحث في تفاصيلها، وأما التحقيق فهو مرحلة قضائية تستهدف الكشف عن الحقيقة في الدعوى الجزائية، والحصول على الأدلة الضرورية للعرض على القضاء.

وعلى هذا الأساس، فإن «نزاهة» تقوم بالتحري للكشف عن قضايا الفساد وقد يتفق هذا التحري مع التحقيق في كونهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة، ولكل منهما ضوابط ومعايير معينة قد يشتركان في بعضها، ولكن التحري يركز أكثر على الواقعة، والتحقيق يركز على المسؤول عن هذه الواقعة لتطبيق العقوبات والجزاءات اللازمة عليه في حال ثبوت التهمة وإدانته على ذلك.

وبعدما عرفنا الفرق بين التحري والتحقيق، والجهات المسؤولة عن ذلك، تبقى مشكلة تقنيات وأساليب كشف وقائع الفساد وإثباتها حتى يمكن إحالتها إلى جهات التحقيق، فإذا كانت إجراءات التحقيق تخضع لضوابط صارمة ومعلنة، وأي خطأ أو سهو في تطبيقها فإنه يؤدي إلى رفض الدعوى القضائية من الناحية الشكلية وبالتالي عدم البت فيها.

أما بخصوص إجراءات التحري، فإن لها ضوابط ومعايير وتحتاج إلى أدلة إثبات، ولكن على ما يبدو أنها غير موجودة أو مجهولة أو على الأقل فإنها لا تطبق، وهذه هي المشكلة التي تعاني منها «نزاهة» والأجهزة الرقابية الأخرى، وهذا أدى إلى صعوبة في كشف جرائم الفساد وإثباتها، وأدى أيضا إلى تعريض إجراءات التحقيق والإجراءات القضائية للخطر والتي هي من مسؤولية «النيابة العامة».

وعلى هذا الأساس، فإن استحداث دوائر متخصصة لقضايا الفساد في النيابة العامة سيقلل من تلك الإشكاليات التي تم استعراضها آنفاً، ومن المهم في هذه المرحلة تفعيل آليات كشف الفساد وإصلاح الخلل الموجود في منظومة المساءلة عموماً، مع وجود معايير واضحة لأدلة الإثبات في وقائع الفساد وكيفية التعامل معها والحصول عليها، ولكي تكتمل عملية الضبط القضائي فلا بد أن تكون الإجراءات المتخذة في عملية الكشف عن المخالفات المالية والإدارية كاملة من الناحية القانونية وقوة الإثبات.

وحتى تكتمل منظومة مكافحة الفساد عموماً نتطلع في المستقبل القريب بإذن الله تعالى إلى إنشاء محاكم متخصصة لقضايا الفساد ومحاكم للأموال العامة للنظر في قضايا الفساد وجرائم الأموال العامة للموظفين الحكوميين في جميع المستويات الإدارية.

*نقلاً عن صحيفة "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.