.
.
.
.

أغرب "واسطة" ردّ عليها غازي القصيبي بأظرف طريقة!

نشر في: آخر تحديث:

لم يترك غازي الوزير الأشهر في التاريخ المعاصر السعودي شاردة ولا واردة في حياته الإدارية إلا وتطرق لها، في كتاب أقرّته وزارة التعليم مؤخراً، ليكن ضمن أسوار المدرسة السعودية ومناهجها.

وقد تعامل القصيبي إبان تحركه بين ثلاث وزارات هامة في السعودية حاملاً حقائبها الوزارية، وكانت كلها ترتبط بالخدمة المقدمة للمواطنين، وهو ما يجعله مقصداً لطالبي الوساطة، وكان تعامله فيها واضحاً وشفافاً.

وقد سجل ذلك ضمن مساجلاته الشعرية مع عبدالله بن خميس الأديب المشهور، حملت معها الطرفة والوضوح في التعامل، ليعرف فيما بعد بالكهربيات، بعد ما سجلت العديد من القصائد القصيرة مع بداية توصيل الكهرباء في السعودية.

وتعد وزارة الكهرباء أول حقيبة وزارية يتسلمها #القصيبي، ليكن محملاً بإيصال الكهرباء لكثير من المناطق ذات التضاريس الصعبة.

بداية القصة

اشترى عبدالله بن خميس داراً في مزرعة صغيرة بوادي بن عمار، والذي يضم العمارية وأبا الكباش والمعيذر والملقى ضمن حدود منطقة الرياض، وسكن ابن خميس الدار، في حين كان ينتظر وصول الكهرباء لداره على يد صديقه الوزير غازي، لكن انتظاره طال ليلفت عناية الوزير قائلا ممتدحاً:

على الذبالة والفانوس والجاز
عيشي ظلامك حتى يأذن الغازي
وسّعته الصبر مهمازاً فأوسعني
صداً فحطم هذا الصد مهمازي
فرت جيوش الدياجي من مكامنها
من دار همدان حتى دار عناز
إذا سألت وزير الكهرباء بها
من أنجز النور فيها؟ قال إنجازي
وإن سألت لماذا ظل في غلس
وادي ابن عمار هز الرأس كالهازي
أظل فيه بلا نور يؤانسني
وفي حنادسه عطلت تلفازي
ولي قرينان لا أنفك دونهما
أصاحب الليل كشافي وعكازي
هذا يضيء لخطوي منتهى قدمي
وذا يُنفّر عني كل وخّاز

فكانت هذه القصيدة على مكتب وزير الكهرباء ضمن المعاملات اليومية التي يتلقاها، أوصل فيها ابن خميس كل ما يريد مستخدماً البداية الكهربائية والمديح وما يحتاجه، مما يحبه الوزير القصيبي في ذلك الوقت.

ليرد القصيبي على هذه المعاملة التي نقلها معه من مكتبه لسيارته، ويرد بقصيدة مبيناً له البيروقراطية التي يعاني منها، لكنه وضع أملاً عند رفيقه بأنه قد أوصى وهو الوزير الذي ملأ أرجاء السعودية بالنور:

أوعزت للقوم حتى كَلَّ إيعازي
وقلت لا تتركوا صحبي على الجازي
وقلت هذا خميس الشعر جاءكم
يحدو الشوارد لم تهمز بمهماز
أعطاكم من حسان الشعر فاتنة
مجلوة بين إبداع وإعجاز
وما هجاكم وحلو الطبع شيمتُه
ولو هجاكم لذقتم سطوةَ الهازي
أي الوساطات بين الناس نافذة
إن الوساطة أفعى ذات إنجاز
فوسط الشعر لم يشفع له أحد
سوى القوافي وإكباري وإعزازي

فكان رأي القصيبي واضحاً من الوساطة، أنها أفعى منجزة، لكن وساطة ابن خميس من النوع المحبب للوزير، حيث وسط القوافي مع إكبار غازي وإعزازه له، إلا أنه لم يكن ممكناً لدى الوزير لتمضي خمس سنوات ما بين هذه المساجلة الشعرية.

ليعود ابن خميس لغازي بقصيدة أخرى متألما من عدم إيفائه بالوعد، رغم أن القصيبي لم يقطع وعداً له لكنه الشعر ولهفة الكهرباء التي يبحث عنها ابن خميس.

وكان مقاول الكهرباء قد جاء لابن خميس ليطلع على العمارية لكنه عاد ولم يأت مرة أخرى.

ليعود ويقول

وعدتم غير أن الوعد خيل
أتي منا على خمس عجاف
دفعتم بالمقاول كي نراه
فما وفى القليل ولن يوافي
أثير عنده خمسون شغلا
ويرضيهم بما دون الكفاف
فلو أن المدى شهر وشهر
وتسعة أشهر عدا توافي
ولكن المدى مطل ومين
وتسويف عقوبته عوافي

وكان المقاول قد رفع للوزير عن موقع ابن خميس وصعوبته، فكان رده بناء على تقرير المقاول، وينطلق القصيبي مدافعاً ومخبراً في حالة وسط المعاملات اليومية، مذكراً ابن خميس أن يحمد ما هو فيه من حال وهو يتصفح كتب الشعر، بينما تفرغ هو لآلاف الشكاوى وطالبي الوساطات.

أعبدالله ياشيخ القوافي
ومرتجل البديعات الظراف
هجرت الناس والدنيا وحيدا
بعمارية وسط الفيافي
يفرقها عن العمران درب
طويل ذو انعراج وانعطاف
فلا هليكوبتر تفضي إليه
ويشكو الجمس من طول المطاف
فتغفو أنت في ظل ظليل
وتمرك يانع والماء صافي
وأقرأ الف معروض وشكوى
وتقرأ أنت أشعار الرصافي
لكن القصيبي قد اعتذر بطول المدة مكملا قصيدته السابقة
بقوله وأحمل في دمي همي البرايا
وهمك نصب حال أو مضاف
تقول الي بالتيار فورا
وإلا فارتقوا غضب السنافي
وتظل تسومني التقريع شعرا
ولا يغنيك أو يشفي اعترافي
فلست بمارد من نسل جن
ولكني من البشر الضعاف
يكبلني النظام وكنت تشقى
به قبل التفرغ للقطاف
فبالتصميم نبدأ ثم تأتي
مناقصة وفتح للغلاف
ويعقب ذلك تحليل طويل
وقد يتلوه تقييم إضافي

وهكذا يسرد طريق الترسية، لكنه طمأن صديقه أنه قد أوصى مرة أخرى عليه في حالة استثنائية مبشراً له أن الكهرباء ربما تكون عنده في شهرين.

يقول
سألت القوم عنك فأخبروني
بأن الكهرباء غدا توافي
فإن جاءت فكافئنا بشعر
كضوء الحب في ليل الزفاف
وفي بستانك المعمور أولم
بهرفي سمين من الخراف

ولم تكن مساجلة غازي القصيبي وابن خميس الوحيدة في هذا المجال، فقد سبقه مساجلة من نوع آخر، حيث كتب له راشد بن خنين عندما كان رئيسا لتعليم البنات مطلع عام 1398 يطلب الكهرباء لبعض مدارس البنات، فكتب:

غزانا الصيف ياغازي فجودوا
بتيار يكيف للمدارس
بنات الناس في قلق ويغشى
على بعض فرفقا بالعرائس

وبعد مرور عام لم تصل الكهرباء، فكتب مرة أخرى في ظل صمت القصيبي:

تمام الحول قارب لم تجيبوا
ولم تجزوا المماطل والمعاكس
كلام الناس في هذا كثير
وأنت الشهم تنفي للوساوس
فمرهم عاجلا يزتوا بسلك
يبرد أو يبدد للحنادس
وعهدي فيكم حزم وعزم
ودور العلم أولى من منافس
ونرجو الله إصلاحا سريعا
لأجهزة الدوائر والمجالس
وختم القول تذكير وشكرا
لغاز الشعر والرجل الممارس

فكان رد القصيبي شاملا ووافيا وواضحاً

رعاك الله يا شيخ المدارس
وصانك للصغيرات العرائسْ
وأما بعد رقعتكم أتتني
تعاتبني فهاجت بي الهواجسْ
وملء عتابكم ود وحب
يحيط به من الأشواق حارس
ويدري الله كم يدمي فؤادي
عذاب صبيّة والحر عابس
وحر الصيف بالأبطال يودي
فما بال الرقيقات الأوانس؟!
وعذري إن قبلت العذر أني
أمارس من بلائي ما أمارس
توسعت الرياض.. نَمَتْ فصارت
كلندن في تشعبها وبارس
ففي حي النسيم شكت ألوف
تنادي في الدجى والليل دامس