.
.
.
.

ما علاقة خاشقجي بمتورطين بقضايا فساد بالسعودية وماليزيا

نشر في: آخر تحديث:

ثارت عاصفة واسعة من الجدل والتساؤلات إثر نشر انفراد لموقع صحيفة "The Edge" الماليزي المتخصص في أخبار أسواق المال والأعمال مؤخراً، تفاصيل تفضح حصول الصحافي السعودي جمال خاشقجي على مبلغ 100,000 دولار أميركي مقابل إجراء مقابلة صحافية للترويج وتحسين صورة رئيس الوزراء الماليزي آنذاك نجيب رزاق، الذي شغل المنصب في الفترة من عام 2009 إلى 2018، ويتم محاكمته حالياً بارتكاب 25 جريمة استغلال نفوذ وإساءة استخدام السلطة، بالإضافة إلى الرشوة والفساد وغسل الأموال.

تسريبات خافيير جوستو

تم الترتيب للمقابلة الصحافية مع خاشقجي بواسطة مدير شركة "بتروسعودي" طارق عبيد. وتم استقاء المعلومات من قاعدة بيانات شركة PetroSaudi، التي قام بتسريبها المدير السابق للشركة خافيير جوستو، السويسري الجنسية، وتكشف رسائل البريد الإلكتروني من طارق عبيد إلى رزاق معلومات عن سيرة خاشقجي.

أما شقيق طارق، نواف عبيد، الذي حصل على العديد من المناصب الأكاديمية في المؤسسات الغربية، فقد حصل على وظيفة في الخدمة المدنية في المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، لكنه كان يعمل بشكل وثيق للغاية مع طارق و"بتروسعودي" للمساعدة في تحول الشركة الصورية إلى شركة ناشطة، بالإضافة إلى تنظيم حملات علاقات عامة كبيرة في وسائل الإعلام الغربية لشركاء الأعمال والحلفاء السياسيين.

وكما ذكر تقرير في موقع "Sarawak" الماليزي في وقت سابق، فقد نجح نواف عبيد في بناء شبكة علاقات قوية مع الصحافيين الدوليين وخبراء الاستخبارات الذين استخدمهم لجمع المعلومات والخدمات الإعلامية، مقابل مكافآت كان يتم دفعها فيما يبدو من أموال "بتروسعودي"، المكتسبة من مشروع مشترك وهمي مع شركة 1MDB، التي استغلها رزاق لتهريب مليارات الدولارات خارج ماليزيا.

وخاطب نواف عبيد في رسائل البريد الإلكتروني جمال خاشقجي باسم العم جي "Uncle J".

وكان خاشقجي، حسبما تظهر الرسائل المسربة، يقدم الخدمات لصالح الأخوين عبيد، الذين بدورهم كانوا يكسبون رضا نجيب رزاق من أجل الحصول على الأموال.

300 مليون دولار من 1MDB

وفي شهر نوفمبر 2009، أي بعد شهر واحد فقط من قيام شركة "بتروسعودي" بالحصول على تحويل بنكي بقيمة 300 مليون دولار من شركة 1MDB تحت حساب المشروع المشترك، أرسل نواف رسالة إلكترونية إلى العم Uncle J (خاشقجي) يطلب منه أن ينشر وثيقة "مهمة في مكان ما بالصحيفة (التي كان يرأس تحريرها)".

وكانت الوثيقة عبارة عن بيان من نجيب رزاق يعبر فيه عن "تضامنه مع شعب المملكة العربية السعودية" ضد الهجمات من الحوثيين في وقت كان رئيس الوزراء الجديد وقتئذ يعمل بجدية من أجل كسب رضا السعودية.

نصب شباك للضحية

ويبدو أن طارق ونواف عبيد تمكنا من إحراز تقدم في نصب شباكهما حول نجيب رزاق، وقاما بخطوة أخرى في جهودهما الرامية إلى الإيقاع بشريكهما الماليزي الجديد في شباكهما عبر هذا الأسلوب.

وبعد شهر، نظموا رحلة لخاشقجي للسفر إلى كوالالمبور للقيام بما يُعرف عموماً بسلسلة من موضوعات "التلميع" عن كل من نجيب رزاق وزوجته.

مكافأة سخية للغاية

وأرسل نواف إلى أخيه طارق عبر البريد الإلكتروني سيرة ذاتية خاصة بخاشقجي حتى يتمكن طارق من إبلاغ مسؤولي نجيب رزاق عن مدى أهمية خاشقجي ومكانته المرموقة بالمملكة العربية السعودية في ذلك الوقت، جاء فيها:

"جمال خاشقجي هو رئيس تحرير جريدة الوطن السعودية، وهي واحدة من كبريات الصحف في المملكة وأشهرها. ويشار إليها في الصحافة الغربية بأنها صحيفة إصلاحية رائدة في المملكة. وحققت صحيفة الوطن السبق في العديد من المبادرات المجتمعية. كما عمل خاشقجي كمستشار إعلامي في السفارة السعودية في بريطانيا من 2005 حتى 2007. وحصل خاشقجي على درجة الماجستير من جامعة إنديانا الأميركية".

وقام نواف عبيد بتحديد موعد لمقابلة خاشقجي مع نجيب رزاق بالنيابة عن طارق عبيد، الذي أرسل بالبريد الإلكتروني إلى مصرفه لتحويل مبلغ 100 ألف دولار خلال 5 أيام من تاريخه لحساب خاشقجي.

ووفقاً للاتصالات مع وان شهاب، السكرتير الخاص لرئيس وزراء ماليزيا، تم التأكيد في 2 ديسمبر 2009 أن المقابلة ستجري يوم 14 ديسمبر في كوالالمبور.

وفي نفس اليوم أرسل طارق عبيد رسالة لمدير في بنك السعودي الفرنسي، قائلاً: أحتاج لتحويل مبلغ 100,000 دولار أميركي إلى جمال خاشقجي على رقم الحساب التالي (...).

إن توظيف خاشقجي في هذا السياق يثير الكثير من القضايا الأخلاقية، حيث إن مبلغ 100,000 دولار أميركي يتخطى الحدود المتعارف عليها في نطاق كتابة الموضوعات بواسطة صحافي متفرغ مستقل، بل إنه يعد مبلغاً يتخطى ما يكسبه معظم الصحافيين في غضون عام.

إساءة استغلال خاشقجي لموقعه

وفي كل الأحوال، لم يكن خاشقجي متفرغاً إنما كان يرأس تحرير صحيفة يفترض أنها مستقلة، ويجب عليه أن يفصح عن ماهية المادة الصحافية على وجه التحديد ما إذا كانت، على سبيل المثال، مادة تحريرية أم ترويجية كإعلان مدفوع، ويكون التكليف بكتابة هذه المقالات عن طريق إدارة الصحيفة نفسها، وليس من خلال شركاء في العمل أو أصدقاء.

يبدو من الواضح أن الأخوين عبيد كانا يخططان بالاشتراك مع خاشقجي لإساءة استغلال موقعه كرئيس تحرير لكتابة سلسلة من مقالات الترويج الخادعة في الصحيفة ليرفعوا من شأن نجيب رزاق وزوجته، مقابل مكافأة سخية للغاية.

التعاون مع المتهم الهارب جو لو

إن مشاركة جو لو، المتهم الهارب على إثر فضيحة فساد شركة 1MDB، في تنظيم حملة العلاقات العامة الخادعة، وهي أول الحملات التي قام نواف عبيد بتنظيمها لصالح نجيب رزاق، يظهر واضحاً من خلال تسلسل المراسلات المسربة، حيث قام طارق ونواف بإرسال نسخة من خطة حملة العلاقات العامة إليه منذ البداية، كما أرسلا له مسبقاً عدداً من الأسئلة التي كان جمال خاشقجي يستعد لطرحها على نجيب رزاق في رسالة بريد إلكتروني قال فيها طارق:



"أخي العزيز
فيما يلي الأسئلة التي سيحضرها خاشقجي معه:

أهمية ماليزيا للعالم الإسلامي: ....، وتشمل أيضاً: هل تعد ماليزيا ملاذاً رئيسياً للعالم الإسلامي، وما مدى التزامك بتحمل هذه المسؤولية؟

وسؤال أخير (مهم جداً):...".

واختتم مدير "بتروسعودي" الرسالة بإخبار جو لو، الذي دأب على نفى أي تورط في 1MDB والمشروع المشترك مع "بتروسعودي" قائلاً: "أراك قريباً".

رسالة "سرية"

كما بعث طارق عبيد رسالة "سرية" بالبريد الإلكتروني، موجهة إلى جمال خاشقجي بالإضافة إلى جو لو، حيث وجه الشكر لـ"خاشقجي" لاقتطاع وقت "من جدول أعماله المزدحم للسفر إلى كوالالمبور ومقابلة رئيس الوزراء الماليزي المحترم لإجراء الحوار الذي يمهد للزيارة المزمع إجراؤها في وقت مبكر من العام المقبل إلى السعودية".

استراتيجية إعلامية محلية

وجاءت هذه الرسالة كتوضيح لما وصفه عبيد بـ"استراتيجية محتملة لوسائل الإعلام المحلية لرئيس الوزراء الماليزي" قال فيها:

"إن الهدف الرئيسي من المقابلة هو إعطاء أقصى قدر من مساحة العرض لأفكار ومبادرات رئيس الوزراء، قبل زيارته للمملكة والقيام بذلك من خلالك، هي الطريقة الأفضل لضمان أن يحدث ذلك بطريقة احترافية ومنهجية".

كان الاقتراح على خاشقجي أن يجري مقابلة رئيسية تظهر في الصفحة الأولى لرئيس الوزراء، بالإضافة إلى مقابلة أصغر مع زوجته، تليها سلسلة من مقالتين أو 3 مقالات افتتاحية يكتبها خاشقجي.

واختتم طارق عبيد رسالته إلى خاشقجي قائلاً: "إن استخدام اسمك وكتاباتك المؤثرة في السوق المحلية سيصنع فارقاً كبيراً في مدى نجاح هذا المشروع الإعلامي على نطاق واسع".

مقال واشنطن بوست

ذكر مقال طويل في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية منذ عامين، يعتمد بشكل واضح على رواية الأخوين عبيد للأحداث من وجهة نظرهما، ويزعم طارق عبيد أنه تعرض للاعتقال في الصين (حيث ذهب لزيارة نجيب رزاق وجو لو)، استجابة لطلب رسمي من السعودية في أغسطس 2016.

ويختتم موقع "Sarawak" المقال بإسداء النصح إلى الصحافيين الذين يسعون إلى "مداخلات مع الخبراء" من أمثال طارق ونواف عبيد، بأن عليهم أن يضعوا في اعتباراتهم تاريخهما في دفع وتلقي الأموال بغرض التلاعب بوسائل الإعلام، بما في ذلك ما تم كشفها بوضوح أعلاه، بكل الأسف، من تعاملات غير نزيهة مع جمال خاشقجي.