خاص

"الصحوةُ الشِيعية" في السعودية.. ظروف النشأة!

قبضت "الخمينية" و"السلفية" بكل قوة على عقول وأرواح كثر من الجيل الجديد

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
7 دقائق للقراءة

"الصحوة الشيعية" في السعودية، على ما شابها من سجالات، ومقولات متخلفة، ومساعي احتكار للفضاء العام، هي ابنة ظروفها، وجغرافيتها، وقلقها، وتوجسها، والنيران الكثيرة التي تستعرُ من حولها، والخطاب الأصولي المذهبي الذي جعل الناس تغلقُ نوافذها، خوفاً من أن يصيبها شيءٌ من سهامِ كتابات إحسان إلهي ظهير، وموسى الموسوي، وناصر العمر، وسواهم من الكتابِ ورجال الدين الذين كانوا جزءا من ماكينة إعلامية ضخمة، يقودها المتشددون، ضد كل من يختلف معهم مذهبياً أو فكرياً!

لقد كانت سنوات أشبه بـ"المحرقة الفكرية" كابد فيها شباب "الصحوة الشيعية" الأمرين: تكفيرٌ وإقصاءٌ مارسه رهطٌ من "الصحويين" و"الحركيين" السنة بإصرارٍ، وتسييس لـ"المذهب" عملت عليه إيران والتنظيمات الحركية التي قدمت نفسها كمنقذٍ وبديلٍ، يسعى لأن يستقطب الشباب إلى صفوفه.

كانت كماشة عنيفة، "الخمينية" و"السلفية"، أو فكي أسدٍ قبضا بكلِ قوة على عقول وأرواح كثر من الجيل الجديد، الذي من الطبيعي، والطبيعي جداً أن يتأثر بتلك الظروف المحيطة به، لأن الإنسان ابن بيئته ومجتمعه، ولا يمكنه أن يعيش معزولاً، دون أن يتبلل قميصه بالدماء التي تقطر من سيوف الإخوة الأعداء!

سعوديون شيعة يقيمون مراسم عاشوراء
سعوديون شيعة يقيمون مراسم عاشوراء

الخياراتُ الضيقة

لم يختر أبناء "الصحوة الشيعية" أُمهم، أو الرحم التي تشكلوا فيها. كان الفضاء مختطفاً، لا في القطيف وحدها، بل في السعودية من خليجها إلى بحرها، فلا صوتَ يعلو فوق صوتِ الدعاة والأئمة والمشايخ، سنة وشيعة! هم السلطة الروحية والاجتماعية التي انتشرت كما الهواء الرطب، الذي يثقل الرئتين، ومدتَ أذرعها في كل مفصلٍ، لتحيلَ "الدولة" من كيانٍ مدني دنيوي جامع، إلى صورتها التي لا تعتقدُ بصوابية غيرها، ساعية لأن تختطف المشهد، وهو الفعل الذي أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أنه ولى زمنه، وأنه "لن نضيع 30 سنة أخرى من حياتنا في التعامل مع أفكار متطرفة"، ليمنح الأمل للسعوديين من جديد، ويزيح عن كاهلهم ثقلاً طالما أرهقهم وأعاق حيواتهم.

الصدورُ المحتقنة

فتاوى "التكفير" التي كانت تشير إلى مواطنين سعوديين بوصفهم "مشركين"، لا شركاء في الوطن. المضايقات من المتشددين في مجالات العمل والجامعات. لا أنسى العام 1992، وأنا في سنة دراستي الأولى في "جامعة الملك فهد للبترول والمعادن"، بمدينة الظهران، شرق السعودية، كيف أن زميلا لي، ليس متديناً، ولكن، الأخطر أن عقله سُلبَ في غفلة منه، جاء وتهجم عليَّ دون سبب، وأراد ضربي، في مبنى السنة التحضيرية، لولا أن منعه بقية الزملاء! والسبب، أننا كنا نتشابه في كل شيء: الوطن، والجنسية، والشباب المتقد، والحلم بالمستقبل، والمقاعد الدراسية المتجاورة، والدين، ونختلف في تفصيلين صغيرين جدا: القبيلة والمذهب!

بعد هذه الحادثة بسنوات، حيثُ كنت أعملُ مدرساً في ثانوية "رأس تنورة"، وكنتُ مع الطلبة في زيارة إلى ذات الجامعة، وأثناء صلاتي في المسجد، أتى شخصٌ متشدد، وقطع صلاتي ورماني بعيداً بيديه، لا لشيء إلا أنني من مذهبٍ آخر! وقتها، كان طلابي الذين هم من نفس مذهب الشخص الذي اعتدى عليّ، هم من دافع عني ببسالة وأخلاقٍ فائقة لا أنساها، وأصروا أن أُكملَ صلاتي.

المشكلة ليست في أن تكون سنياً أو شيعياً، إنما في أن تكون كارهاً للآخر، حتى لو كنت "لا دينياً" تحملُ عداءً لمن لا يشترك معك في فكرك.

عندما كنتُ في "جامعة الملك سعود" بالعاصمة الرياض، كان المتشددون في مسجد الجامعة، يحرضون على الأستاذة "الشيعة" بأسمائهم، وكان طلبة القطيف والأحساء، يتابعون ذلك بتوجس وقلق. لقد كان صوت التشدد هو الأعلى، رغم أن خطابهم هذا كان يخالف القانون والنظام الذي بنيت عليه المملكة العربية السعودية، منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن، والذي كان ينظرُ للسعوديين كمواطنين وفقط.

سوق الخميس قديما بمدينة القطيف
سوق الخميس قديما بمدينة القطيف

ثقافة "الغيتو"

في المقابل، وعندما كنا شباباً يافعين في القطيف، شرق المملكة، كنا ننظر بتوجس للمختلف القادم من خارج المدينة، وكان البعض يحذرنا من هؤلاء "البدو"، وأن علينا أن نأخذ الحيطة من أفعالهم. رغم أن آباءنا لم يكونوا كذلك، فقد كنت أذهب مع والدي رحمه الله للدمام والخبر والجبيل، وأرى علاقاته الطبيعية بمختلف من كان يتعامل معهم في تجارته، ولم أسمع منه يوماً كلمة عن السنة أو الشيعة، إلا أن المحيط الاجتماعي هو من كان متوجساً بشكل سلبي!

كان "سوق الخميس" أحد أشهر الأسواق الأسبوعية الشعبية في القطيف، ومقصداً للكثيرين من داخل المدينة وخارجها، وأيضاً لموظفي شركة "أرامكو" الأجانب، حيث كانوا يأتون من أجل الحصول على بعض القطع القديمة أو العملات أو الأثريات، التي تعرض في السوق.

كان هنالك في ذات اليوم سوق للطيور، وكان يقصده السعوديون من المدن المجاورة، إلا أن هذه الزيارات شابها في عدد من المرات عراكٌ بالأيدي والأسلحة البيضاء، مع القادمين من خارج المدينة، لا لشيء إلا أنهم لا ينتمون لذات "الغيتو"!

لقد كانت ثقافة "العزلة" تترسخ يوماً بعد آخر. وأذكر أنه تم تشكيل فِرقٍ أشبه بمجموعات "هيئة الأمر بالمعروف النهي عن المنكر" من أجل ملاحقة الغرباء الذين يأتون للتحرش بالفتيات في السوق، أو حتى في شوارع المدينة.

لقد كانت الحجةُ المعلنة هي وقف "الغزل" المحرم، إنما في باطنها هي عملية نبذٍ للآخر ورفضٍ له وعدم رغبة في وجوده، وهنا مكمن الخطر: الانغلاق على الذات!

شعار تنظيم حزب الله الحجاز

التأريخ للفهم

الوقتُ ليس لرشة ملحٍ موجعة على جسد "الوطن"، ولكن لكي نعي أي ظروف تلك التي ألقت بظلالها على الشباب السعوديين الشيعة، وسط تصاعد لخطاب إسلاموي إقصائي، وحربٍ أخذت أبعاداً شرسة بين إيران والعراق، وبنادق تعلوا لـ"الجهاد في أفغانستان"، وتعبئة من قبل تنظيمات مثل: "حزب الله الحجاز"، و"منظمة الثورة الإسلامية في شبه الجزيرة العربية". لقد كان الدخانُ الأسود يملأ كل رئة، مهما حاول الإنسان أن يهربَ من تلك العواصف.

التأريخ لهذه المرحلة بشفافية، ورصد تفاصيلها، مهم لمعالجة المشكلات التي أفرزتها، والتحرر من خطاباتها التي بقيت في نفوس كثيرين، ولم يستطيعوا التخفف منها رغم أن الزمن تغير، والظروف لم تعد كما هي.

إزالة العتمة

كان قراراً تاريخياً، عندما أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أنه سيدمر المتطرفين "الآن وفوراً"، وكان صادقاً وشفافاً وصريحاً في حديثه أنه لن يسمح لهم باختطاف حياة السعوديين بعد اليوم، وهمُ التيار الذي شوهَ ذاكرتها لأربعين عاماً.

صحيحٌ أن كثيراً من التخلفُ انغرس في العقول؛ إنما السارق لم يكن أحدٌ يقاومه حينها ببسالة. كان هو المتن، والآخرون ارتضوا أن يكونوا هامشاً.
ذات حوارٍ تحدث المفكر التونسي د.فتحي المسكيني قائلاً "أُريدُ أن أُبرئ الشباب مما يقعُ بهم"، لأنهم هنا "ضحايا" لنسق كاملٍ، وحقبة مديدة، كانوا فيها فاعلين ثانويين، أو لنكن أكثر صراحة: كانوا "مفعولاً بهم"، بحسب تعبير المسكين، لأن المسؤولية تقع على "من جند هؤلاء الشباب"، الذين كثير منهم آمنَ بطيبِ قلب.. إنهم "المؤمن الصادق" كما يقول إيريك هوفر، في كتابه الذي ترجمه الراحل غازي القصيبي. وهذا "المؤمن" لفهم سلوكه، تفكيره، وتفسير الخطاب الذي أنتجهُ، يجب أن يُقرأ ببصيرة وهدوء وتحليل منطقي ضمن سياقاته، لكي يعي الباحث كيف صار هذا المؤمن منغلقاً، يتبع توصيات رجال الدين المتشددين، وأحياناً يقوم بحماقات واعتداءات أضرت ليس بذاته وحسب، بل بالآخرين أيضاً، وصولاً إلى تورط البعض في حمل السلاح والقيام بعمليات إرهابية، والانخراط في تشكيلات حزبية خارجة عن القانون؛ ولذا، المدخل لإعادة "المؤمن الصادق" إلى إيمانه النقي، هي إزالة الغشاوة عن عينية، وتهيئة بيئة وطنية صحية سليمة، نابذة للعنف والانعزالية والتمذهب، وهذا ما تعمل عليه "رؤية المملكة 2030".

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.