خاص خالد العضاض لـ"العربية.نت": الصحويون الجدد في حالة "تقية" والإرهاب دخل جيله الثالث
تحدث عن المتغيرات التقنية التي طالت التنظيمات الإرهابية و"الأوراق الأخيرة للصحويين"
بينما يزخر الفضاء الرقمي بمحتوى يشجع على نشوء الفكر المتطرف، ويسهل الوقوع في فخ الاستقطاب الشبكي، وصف الباحث السعودي المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، خالد العضاض، في حوار خاص لـ"العربية.نت"، ما بات يعرف بظاهرة "التطرف الشبكي" بأنها الجيل الثالث من الإرهاب، وهو الأخطر حسب رأيه، كونه لا يحمل سلاحاً ظاهراً بل يحمل أدوات رقمية قادرة على التسلل إلى العقول والتأثير على الأفراد بطريقة ناعمة وخفية ولكنها فعالة.
وذهب العضاض في حديثه بأن "المتطرفين الشبكيين" يستغلون خصائص الفضاء الرقمي مثل الأسماء المستعارة، وسرعة الانتشار، وآليات التكرار الخوارزمي، ما يجعلهم قادرين على بناء عالم موازٍ من الأفكار داخل شبكات مغلقة.
وأشار إلى واقع خطورة المحتوى الرقمي المتطرف المرتبط بخطاب الكراهية، ونظريات المؤامرة، والتفسيرات المغلقة للنصوص، وخطابات التأليب، مما يجعل مكافحته تتطلب وعيًا رقميًا شاملًا، وتدخلًا تشريعيًا من الدول والمنصات الكبرى للحد من انتشاره.
كما تطرق الحوار إلى جملة متغيرات فرضتها التقنية على الطابع السري للتنظيمات المتطرفة، إذ يرى بأنها باتت تعتمد على "التأثير الشبكي"، والاتجاه نحو "التموضع السائل" ليصبح المتابع مجرد مستهلك رقمي للفكر وفي مرحلة أبعد منفذ لها، دون عضوية مباشرة.
وتناول في سياق حديثه تفاصيل "الأوراق الأخيرة" التي لجأ إليها الصحويون لفرض صور الهيمنة على المجتمع، عقب تراجع حضور الحركة الإسلامية في السعودية.
يلخص خالد العضاض في سياق الحوار التحولات الفكرية التي طرأت على خطاب الحركة الإسلامية المعروفة بـ"الصحوة" في السعودية، إذ يرى أنهم باتوا في مرحلة "التقية الثقافية"، يتخفون وراء الخطاب الناعم، بانتظار أي تراجع يفتح لهم باب العودة الصريحة.
إلى نص الحوار:
بات واضحاً نمو ما يعرف بـ "المتطرف الشبكي" عبر الفضاء الرقمي. ما خطورة مضامين هذا النوع من التطرف خاصة في خضم زرعها المواد الرقمية عبر الخوارزميات وبالتالي نشرها بصورة أوسع؟
المتطرف والإرهابي الشبكي يمثل الجيل الثالث من الإرهاب بعد الإرهابي الاستقطابي -إن جازت التسمية-، والإرهابي العسكري "القتالي"، والإرهابي الشبكي هو الأخطر لأنه غير مرئي، ولا يحمل سلاحًا ظاهرًا، بل يحمل أدوات رقمية قادرة على التسلل إلى العقول والتأثير على الأفراد بطريقة ناعمة وخفية ولكنها فعالة.
هذا النوع من التطرف يستغل خصائص الفضاء الرقمي مثل الأسماء المستعارة، وسرعة الانتشار، وآليات التكرار الخوارزمي، ما يجعله قادرًا على بناء عالم موازٍ من الأفكار داخل شبكات مغلقة.
وتتمثل خطورته في كونه لا يحتاج إلى مراكز أو معسكرات تدريب أو تمويل ضخم، بل إلى إنتاج محتوى مؤدلج قادر على زرع الفكرة، ثم تترك للخوارزميات مهمة تنميتها وتضخيمها وتوزيعها على نطاق واسع.
وهذا النوع من التطرف والإرهاب غالبًا ما يرتبط بخطاب الكراهية، ونظريات المؤامرة، والتفسيرات المغلقة للنصوص، وخطابات التأليب بمختلف صوره وأشكاله، مما يجعل مكافحته تتطلب وعيًا رقميًا شاملًا، وتدخلًا تشريعيًا من الدول والمنصات الكبرى للحد من انتشاره.
وأنوه إلى أنه لدينا في السعودية، وبعد فشل الإرهاب على أرض الواقع في اختراق المصدات الفكرية والنظامية، صب جهده كله على الإرهاب والتطرف الشبكي، فمن المتعذر اليوم وجود أي جهد عملي لهذا الفكر أو جماعاته في المنابر أو المنتديات التي يؤمها الناس، ولكن ما لا يمكن السيطرة عليه بشكل كامل هو الفضاء الافتراضي الذي ينجح في الإفلات من عين الرقيب والمراجع.
ما عناصر الحلول التي تقترحها في إطار الحد من عمليات الاستقطاب الرقمي التي باتت تخلق مئات الجهاديين الشبكيين؟
الحلول يجب أن تكون متعددة المستويات:
تعليمي: من خلال تضمين التصور الشرعي الصحيح لمفهوم الدولة الوطنية، ثم تعميق مفاهيم التفكير الناقد، والأمن الرقمي، والوعي الإعلامي في المناهج الدراسية.
ثقافي وإعلامي: بدعم إنتاج محتوى رقمي بديل جذاب ينافس الخطاب المتطرف من حيث الأسلوب والتقنيات ويقدّم سرديات وطنية في مختلف الاتجاهات والمواضيع.
تشريعي: سن المزيد من القوانين التي تجرم التطرف والإرهاب الرقمي، وتفرض رقابة على المنصات التي تحتضن المحتوى المتطرف، إضافة إلى إعادة تقييم الموجود من هذه التشريعات وتطويرها بحسب المستجدات.
أسري ومجتمعي: توعية الأسر والأفراد بخطورة الاستقطاب، وتشجيع الحوار المفتوح داخل البيوت والمدارس لخلق حصانة فكرية.
الاستقطاب الشبكي لا يُواجه بالإغلاق والمنع فحسب، بل أيضًا بصناعة وعي مرن قادر على مجابهة الحجة بالحجة، والرسالة برسالة أقوى وأذكى، ويمكن أن يضاف كذلك التعاون مع شركات التقنية الكبرى لضبط الخوارزميات التي تعزز التطرف، والحد من الغرف والفصول المعلوماتية المغلقة التي تعزل المستخدم عن الفضاء العام والرأي الآخر.
على ضوء المتغيرات التي فرضتها التقنية برأيك ما مظاهر التحولات التي طالت الطابع السري للتنظيمات المتطرفة؟
الطابع السري للتنظيمات المتطرفة تغيّر جذري بفضل التقنية.
فقد كانت هذه الجماعات تعتمد سابقًا على البنية الهرمية والاجتماعات السرية والمراسلات المغلقة والمشفرة، بينما اليوم باتت التنظيمات تتجه نحو "التموضع السائل"، حيث يكون العنصر مجرد مستهلك رقمي للفكر وفي مرحلة أبعد منفذ لها، دون عضوية مباشرة.
أصبح التنظيم في صورته الحديثة يعتمد على ما يُسمى "التأثير الشبكي"، حيث تكون العلاقة مرنة لا تربطها هيكلة تنظيمية بل روابط فكرية ومحتوى مشترك.
لم تعد هناك حاجة إلى الاجتماعات الخاصة واللقاءات السرية، بل تحل مكانها قنوات مشفرة، ومنتديات إلكترونية، ومجموعات خاصة على تيليغرام مثلًا، والبث المتكرر على منصات الفيديو.
وهذا ما جعل التحدي أكبر أمام الجهات الرسمية، لأن العدو لم يعد له شكل تقليدي، بل تحوّل إلى "فكرة طيّارة" تتناقلها الأجهزة الذكية، وتنتقل من شخص لآخر بلمسة إصبع فقط.
دعنا نقود دفة الحوار تجاه صحويي الأضواء والأموال، وما أسميتهم "طغاة الصحوة"، تقول إن هناك قسمين من الصحويين، أحدهما "التنظيمي" الذي يعمل في مختلف الجهات والهيئات الحكومية، ويندس في مواقع خيرية، هل ما زال هذا النوع حاضرًا في هذه الجهات حتى وقتنا الحاضر؟
النوع التنظيمي من الصحويين لا يزال حاضرًا لكنه فقد كثيرًا من نفوذه وقدرته على المناورة.
فهو لم يختفِ كلياً، بل غيّر جلده وتخفّى داخل المؤسسات، متظاهراً بالاعتدال والوطنية، بينما يحتفظ في داخله بذات الأيديولوجيا القديمة التي ستظهر في لحظتها الزمانية والمكانية المناسبة لظهورها.
الخطورة في هذا النوع أنه يتغلغل في مواقع التأثير الهادئة: المستشارون، واللجان المختلفة، والجمعيات الخيرية والوقفية، والدوائر التعليمية، والحقوقية، ومنصات الإعلام الجديد، وغيرها الكثير.
لكن الفرق الكبير اليوم أن الأدوات الرقابية أصبحت أقوى، ومفهوم الحوكمة أضحى جزءًا من البناء الإداري للمؤسسات، مما يجعل الدورة واسعة جدًا على المتطرف ليعيد تموضعه، استعدادًا لإعادة الانطلاق في مخططاته.
لقد تغيّرت البيئة من حولهم، وهم يبرعون ويتفوقون في مواكبة التغير والتغيير بل ومسابقتهما، فهم يحرصون جداً على تحديث الأدوات القديمة في المعارك الحديثة لفهم شروطها، وهو ما قد يجعلهم أضعف أو أبطأ، وربما كان تواجدهم اسميًا في بعض المواقع، ولكن يجب أن ندرك أن هذا أمر مرحلي عندهم لا أكثر -أعني الضعف أو البطء-، مما يتحتم علينا وبالأخص المجتمع أن يكون أكثر يقظة وتطورًا في الوعي، ولا يقضي على هذا، مثل تعزيز الوطنية وتعميقها، وإرساء مفهوم الدولة الوطنية في نفوس الناس وخصوصاً النشء.
ما أهم أوراقهم التي شعروا بأنها "أوراق أخيرة" وعليهم رميها على غرار "الفتوى الميسرة"؟
حين انكشفت بنية الخطاب الصحوي وسقطت أقنعته أمام وعي المجتمع، لجأ رموزه إلى ما يمكن تسميتها بـ "الأوراق الأخيرة"، وهي محاولات مستميتة لإعادة التموضع عبر خطاب جديد في الشكل، قديم في الجوهر.
أهم هذه الأوراق كانت:
الفتوى الميسرة: وهي محاولة لإعادة تقديم الخطاب الصحوي في صورة أكثر ليونة، تراعي المتغيرات، لكنها تبقي على نفس المرجعيات الإقصائية القديمة.
خطاب الضحية: وهي محاولة الإيحاء بأنهم مُستهدفون لأنهم "كانوا مصلحين"، وهذه الورقة تُستخدم لاستدرار التعاطف الشعبي.
التغليف الجديد للخطاب: بالحديث عن "الوسطية"، و"الاعتدال"، بينما المضمون هو ذاته: رفض الانفتاح، والحذر من الفتن -الفنون والترفيه-، والتحذير من تمكين المرأة.
العودة إلى المجتمع عبر المحتوى الرقمي والإعلام الجديد: في محاولة لاستعادة جمهورهم المفقود عبر منصات التواصل، ولكن بأساليب مختلفة: الساخرة مثلًا وهو محتوى جاذب، أو بطريقة التطبيع مع الفن -التمثيل والغناء- وروادهما، وغير ذلك من الطرق.
كل هذه الأوراق هي أشبه بعمليات إنعاش لفكر يحتضر، ولكنها تؤكد أنهم لا يزالون يرفضون الاعتراف بسقوط المشروع من جذوره، وما دام أن هناك رفضاً لسقوط المشروع الصحوي، فهذا يعني أن هناك مشاريع للعودة من أبواب خلفية، ونوافذ ربما تكون غير مرئية للبعض.
وحتى أكون صريحًا مع نفسي ومع القراء، فإني أعتقد أن "الصحوة" تجاوزت العقبة الأولى، في مسألة العودة بشكل وقالب جديد، بالتكيف مع المرحلة وإحناء الرأس للعاصفة لتمر بسلام عليهم، ومقياس ذلك الأوحد والأهم هو مدى وجود قابلية لدى "الحاضنة الشعبية" لهذه الأيديولوجيا وهذا الفكر، وبقياس مدى القابلية هذه، نعرف المسافات التي قطعتها "الصحوة" في مسألة العودة من جديد.
ما الموضع الجديد الذي اتخذه "الصحويون الجدد" في إطار المرحلة الراهنة التي تعيشها البلاد؟
"الصحويون الجدد" اتخذوا لأنفسهم موقعًا مختلفًا عن السابق، فهم يدركون أن الدولة تغيرت، والمجتمع تغير، والفرد السعودي تغير، وبالتالي بات من غير الممكن إعادة نفس الخطاب القديم بنفس الأدوات.
اليوم نجدهم: ينشطون كمثقفين محافظين، يتحدثون عن القيم والأسرة والتعليم، لكنهم يستخدمون هذه العناوين كأغطية لمهاجمة التحولات الاجتماعية.
يتواجدون في الإعلام الجديد بمحتوى لا يُظهر الطابع الإسلاموي الصريح، لكنه ينطوي على تلميحات في نقد الترفيه، والانفتاح، والتغير في طبيعة الثقافة السعودية، مع أن الأمر كما يعرفه الجميع ويراه هو ليس تغيرًا بقدر ما هو إتاحة الفرصة لهذه الطبيعة الثقافية بالظهور من جديد، بعدما مكن لها القرار السياسي الحكيم، ووافقه الفعل والقبول المجتمعي الراشد.
يستخدمون مفردات الحداثة وأدواتها لنقد الحداثة، كإنتاج مقاطع قصيرة أو بودكاستات تناقش القيم بمضامين أيديولوجية مغلّفة بلغة نفسية أو اجتماعية.
يعيدون إنتاج الصحوة بلغة جديدة تحت شعار "الهوية" أو "الأصالة"، متجاهلين أن هذه المفاهيم تمثل جزءًا أصيلًا من رؤية الدولة والمجتمع لا نقيضًا لها.
ببساطة، هم في مرحلة "التقية الثقافية"، يتخفون وراء الخطاب الناعم، بانتظار أي تراجع قد يفتح لهم باب العودة الصريحة. غير أن الواقع يؤكد أن الدولة والمجتمع والفرد السعودي تجاوز سد وانسدادات الصحوة، مع وجود المقاومة، ومع وجود نسبة من القبول لدى الحاضنة الشعبية، وحتى ترى مصداقًا لكلامي أبحث عن الصامتين الذين لم يشاركوا الوطن في أي فرحة أو وقفة من 2017، وحتى اليوم.
وهنا أنبه لأمر مهم، وهو من باب الاستشراف للمستقبل، فأنا أميل وبقوة إلى أن الصحوة مرحلة زمانية ولت ولن تعود إلى المجتمع السعودي، فهي دُفنت وانتهت، وهذا الرأي ليس من باب تعمية العين عنها كما يفعل أفراد تنظيمات الصحوة، وإنما لأنها بالفعل مرحلة انتهت حتى في أذهان صناعها وقادتها الكبار، والذين انتقلوا الآن فعلياً كنظرية وتطبيقيات إلى مرحلة "ما بعد الصحوة"، التي تختلف كليًا عن "زمان الصحوة"، ولن تجد في الغالب من أشكال ومظاهر "الصحوة" في مرحلة "ما بعد الصحوة" إلا مسألة السعي لكرسي الحكم، ولديهم اليقين التام -كما في السابق- أن الدنيا تتغير، والأيام دول ولن تبقى الأمور على حالها، وفق ظواهر العمران والمدنية، وتطور الأجيال وتعاقبها، وتعاقب الأحداث السياسية العالمية وتلاحقها، فهم يراهنون على هذا الأمر، وبالتالي فأي تغير يطرأ في هذا الإطار من المهم أن يقرأ ضمن القراءات المتعددة لظاهرة الإسلام السياسي وفقًا لهذه القراءة.
عن ضرورة التسامح وفضيلته.. كيف جرى اختطاف هذا المفهوم على يد المتطرفين والإرهابيين في فترات تاريخية متعددة بلغت الذروة منذ نشأة الإسلام السياسي؟
المتطرفون لم يرفضوا التسامح صراحة، بل شوهوا معناه، وقيدوه بشروطهم، فقد روّجوا لتسامح مرحلي مؤقت، يُرفع عندما يشتد عودهم.
في أدبياتهم، "التسامح" عندهم ليس قيمة إنسانية بل تكتيك تنظيمي، لذلك تجدهم يدّعون احترام المخالف في زمن الضعف، ثم ينقضون عليه في زمن التمكين.
بلغ هذا السلوك – توظيف التسامح- ذروته مع نشأة الإسلام السياسي، إذ قُدّم التسامح كغطاء للتحايل على المجتمعات، وتسهيل الاندماج السياسي، وليس كفضيلة أو قيمة دينية وإنسانية ثابتة، فتم ربط التسامح بالمصلحة لا بالمبدأ، وأُفرغ من جوهره القرآني، ليُستبدل بنموذج "الانتهازية الناعمة" التي تبرر كل شيء، ولهذا فإن استعادة التسامح اليوم تتطلب تطهيره من هذه التوظيفات الملتوية، وإعادة ربطه بجوهر الإسلام: مبدأ الرحمة، ولا مبدأ الغلبة.
ماذا عن فكر السرورية الذي يحتل حيزاً مهما من أطروحاتك، هل أميط اللثام عنه كما هو الحال مع الإخوان مثلاً؟
أنا واحد ضمن مجموعة بعضها سابق علي، وآخرون لاحقون، ونحن بمجموعنا وجهدنا نحاول المساهمة في تعرية هذا الفكر المنحرف المتطرف والإرهابي، ونرجو أننا قدمنا بعضًا من واجباتنا تجاه وطننا ومجتمعنا وتجاه الفكر والثقافة، وإماطة اللثام عن هذا الفكر إلا نتيجة معايشته، ونتيجة لفهم عميق لبنيته الداخلية، فالسرورية تيار يقوم على ازدواجية مرعبة: خطاب ديني سلفي شكلي، وجوهر إخواني حركي.
هذا التناقض بين التظاهر بالطاعة والولاء، وسلوكهم المعارض الخفي، وبين خطابهم عن العقيدة، وسلوكهم السياسي الذي لا صلة له بالعقيدة، وتغليفهم لمشروع التمكين السياسي بالآيات والأحاديث، وغرس الولاء للتنظيم باسم الولاء للدين، وتطويع النصوص لصالح المشروع، وكيف يُقدَّم القائد السروري على أنه المفسّر الحقيقي للواقع، فيصبح "النص" تابعًا له، لا العكس، ومن هذا المنطلق لا تتم إماطة اللثام عن هذا الفكر النكد إلا بكشف هذا التناقض للناس، وإعادة النصوص إلى سياقها، وتجريد السرورية من قدسيتها الزائفة.
في الإطار ذاته، ما إن تستقبل السعودية "مواسم الفرح" على غرار موسم الرياض وباقي الفعاليات الترفيهية في مدن البلاد، حتى تبدأ حملات الإساءة السنوية من جهات عدة "من بينها الإخوان" إلى السعودية، ما تفسير هذه الحالة من وجهة نظرك؟
يمكن القول إن جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، بحكم بنيتها الأيديولوجية وتاريخها السياسي، لم تتصالح يوماً مع مفهوم الدولة الوطنية، خاصة إذا كانت هذه الدولة تبني مشروعًا ثقافيًا وتنمويًا حديثًا يستند إلى مفاهيم: الهوية الوطنية، والانفتاح، والتعددية، والمشترك الإنساني بين شعوب العالم.
وما إن بدأت السعودية بإطلاق مشاريعها التنموية المعتمدة على رؤيةٍ تعزز وتصنع جودة الحياة، والتي من أهم مرتكزاتها "الترفيه"، حتى اعتبرت الجماعة الإرهابية ذلك تهديدًا مباشرًا لمشروعها العابر للحدود والدول، فصناعة الترفيه أنصع وأوضح مثال على مرحلة وعي جديدة تسير بها البلاد نحو التقدم بتعزيز الانفتاح الاجتماعي والثقافي على الذات وعلى الآخر.
جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، يعتمدون منذ تأسيسهم على استثمار الحالة النفسية والدينية لدى المجتمعات، ويسوقون لخطاب الخوف والوجل من الانفتاح ونشر الفرح وإشاعة البهجة، وتوظيف هذا الخوف لبناء نفوذ اجتماعي وسياسي طويل الأمد، وبالتالي فإن أي نشاط جماهيري يبعث الحياة الطبيعية في المجتمع، ويحرر الإنسان من سطوة التقاليد الأيديولوجية، يُعد بالنسبة لهم انحرافًا عن "مسار الدعوة"، فيحاربونه بحجج دينية ظاهرها النصوص الدينية المحتملة، وباطنها السيطرة.
التفسير الأعمق لهذا الهجوم الإخواني المستمر يكمن في إدراكهم أن التحول السعودي ليس مؤقتًا، بل هو تحول استراتيجي مبني على رؤية وطن تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة، وبين المجتمع والدين، وهذا ما ينسف مشروعهم من الأساس.
كيف استطاعت رؤية 2030 تحويل الفسيفساء الثقافية السعودية إلى جدار صلب ضد اختراقات التطرف والطائفية والخطابات التحريضية؟
رؤية السعودية 2030، أحدثت تحوّلًا جذريًا في البنية الذهنية للفرد، وبالتالي للمجتمع السعودي ككل، حيث أعادت تشكيل مفهوم المواطنة والانتماء والولاء من خلال إعادة تعريف الأولويات (الأولى) والأوليات (الأول) المجتمعية والثقافية، بين الفرد وبين ذاته ومجتمعه ودولته، ومن ثم أحدث هذا نقلة نوعية في تمتين الروح السعودية بكل تفاصيلها الدقيقة داخل ذهنية ونفسية الفرد، وهنا انكشف لنا نحن السعوديين الحجم الهائل للمكتسبات والمقدرات الثقافية والتاريخية التي بين أيدينا، ولم نكن ندركها من قبل.
لقد كان الفرد السعودي، ولعقود طويلة، ساحة مكشوفة للاختراقات الفكرية والنفسية من التيارات الأيديولوجية اليسارية والقومية ثم الإسلاموية والطائفية، نتيجة غياب مشروع ثقافي وطني شامل، لتأتي رؤية السعودية 2030، فتملأ هذا الفراغ بهوية سعودية عصرية، مستندةً إلى بعد وطني عميق، يسنده إرث ثقافي هائل من اللغة والتراث المادي والتراث غير المادي وفنون القول والفعل تجده في كل مدينة وقرية سعودية، وهذا الإرث يغطي كل مفردات الثقافة بمفهومها العام الواسع، مما جعل الأيديولوجيات المستوردة تتلاشى في غمضة عين.
لقد قدّمت رؤية السعودية 2030 للفرد السعودي مشروعًا جامعًا لا يُقصي أحدًا على أساس مذهبي أو مناطقي أو اجتماعي، بل جعلت من الهوية السعودية مظلة كبرى تحتضن الجميع، من خلال مشاريعها في الترفيه، والثقافة، ومن خلال برامج جودة الحياة، وبرامج التعليم، وتمكين المرأة والشباب، ومن خلال تحديث الخطاب الإعلامي، وغيرها الكثير، وهنا أصبح لدى المواطن السعودي إحساس حقيقي بأنه ليس مشاركًا في المشروع الوطني فحسب، بل وصانع له أيضًا.
هذا الاندماج الوطني القائم على خلق الفرص والتمكين، هو ما جعل من الفسيفساء الثقافية السعودية التي كانت سابقًا موضع استغلال أيديولوجي وطائفي، تتحول إلى جدار ثقافي متين يرفض الخطابات الإقصائية والتحريضية، بل بدأ المجتمع يتصدّى لها ذاتيًا بشكل بدأت وتيرته بالتصاعد بشكل ملحوظ، بعد أن بذلت الدولة وسعها عبر القرار السياسي الحكيم.