خاص المخرج السعودي عبد الرحمن صندقجي: فيلم عمق دعوة مفتوحة للبحث عن الذات
كشف لـ العربية.نت أسرار وتحديات صناعة الفيلم بين غرف الضغط الحديدية وأعماق المحيط
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
بين عتمة المحيطات الموحشة وضيق غرف الضغط الحديدية، تولد حكايات تتجاوز حدود المغامرة البدنية لتلامس جوهر الكينونة الإنسانية. في هذا الحوار، نغوص في كواليس فيلم "عمق"؛ التجربة السينمائية (الوثائقية-الدرامية) التي شقت طريقها إلى شاشات السينما السعودية، لتسلط الضوء على واحدة من أخطر المهن عالمياً: "الغوص التجاري التشبعي"، من خلال رحلة الشاب السعودي "أحمد الجابر".
ويفتح مخرج العمل السعودي عبدالرحمن صندقجي قلبه وعقله، ليكشف لـ"العربية.نت" عن التحديات النفسية واللوجستية المعقدة التي واجهت طاقم التصوير، ويتحدث عن "الجنود المجهولين" في قاع البحر، وصولاً إلى الرسالة الوجودية التي يتركها الفيلم في نفس كل من يشاهده: "قيمتك الحقيقية تكمن في أعماقك"، مؤكداً أن فيلم عمق هو دعوة مفتوحة لكل إنسان ليبحث عن ذاته وكينونته، ويغوص في أعماق نفسه.
إلى نص الحوار:
كيف وُلدت فكرة فيلم "عمق"؟ وما الذي جذبك لرواية هذه القصة؟
"بدأت الرحلة قبل قرابة خمس سنوات عندما التقيت ببطل الفيلم "أحمد الجابر". استوقفتني بشدة طبيعة عمله في الغوص التجاري التشبعي، وهي واحدة من أخطر المهن عالمياً. ما أبهرني حقاً لم يكن خطورة المهنة فحسب، بل كون ممارسها شاباً سعودياً يفيض بالهمة، والصبر، والطموح. التفاصيل البصرية الآسرة المحيطة بعالمه—من غرف الضغط، والكبسولات الحديدية التي تهبط لقاع البحر، والمعدات الغريبة—شكلت في مخيلتي فوراً كادرات لفيلم سينمائي متكامل. شعرت حينها بمسؤولية وشغف كبيرين لنقل هذه القصة؛ فهي ليست مجرد توثيق لمهنة شاقة، بل هي غوص في معانٍ إنسانية عميقة، مصحوبة بمناظر سينمائية فريدة لم يعتد المشاهد على رؤيتها من قبل. وقد قمنا بعدها بالمشاركة في برنامج دعم مركز الملك عبدالعزير الثقافي العالمي (إثراء) والصندوق الثقافي تحت مبادرة إثراء المحتوى العربي وقاموا بدعم إنتاج الفيلم.
ماذا يعني لك عنوان عمق على المستوى الرمزي والإنساني؟
"فيلم (عمق) هو دعوة مفتوحة لكل إنسان ليبحث عن ذاته وكينونته، ويغوص في أعماق نفسه. جميعنا نمر بلحظات نشعر فيها بالضياع، ونركض خلف مسارات نظنها تعبر عنا، لنكتشف في النهاية أن جوهر الإنسان الحقيقي يكمن في داخله، لا في نظرة الآخرين له، ولا في مكاسبه المادية أو مكانته الاجتماعية. الرمزية هنا تتجاوز عمق البحر؛ فبقدر ما يحتاج الغواص من شجاعة لمواجهة ظلمات المحيط، نحتاج نحن كبشر إلى شجاعة أكبر لنواجه أنفسنا ونكتشف حقيقتنا. الفيلم يلامس تلك اللحظة الوجودية التي يدرك فيها المرء أن قيمته الحقيقية تنبع من داخله، وأنه لا يحتاج إلى إثبات أي شيء لأي شخص سوى لنفسه".
ما هي أبرز التحديات التي واجهتك أثناء تصوير الفيلم؟
"التحدي الأكبر كان التزامنا التام بالواقعية؛ إذ رفضنا تماماً فكرة التصوير داخل استديوهات أو الاعتماد على ديكورات خشبية، وقررنا التصوير في بيئات حقيقية وفعلية. البحث عن سفينة صيانة بحرية مجهزة بوحدة غوص تشبعي كان معضلة كبيرة، لأن هذه السفن تكون دائماً في رأس العمل ومستمرة في الإنتاج، ومن الصعب حجزها للتصوير لعدة أيام. لذلك، لجأنا لحل سينمائي عبر تصوير السفينة في مكان، ووحدة الغوص في مكان آخر تماماً، ثم دمجناهما بأسلوب إخراجي يشعر المشاهد بأنهما مكان واحد. أضف إلى ذلك مشقة التصوير تحت الماء، والالتزام الصارم بإجراءات السلامة، حيث كان البطل ’أحمد الجابر' هو من يؤدي المشاهد بنفسه، تحت مراقبة غواص إنقاذ مخصص لحمايته، بجانب المصور المحترف تحت الماء."
كيف جرى التعامل مع ظروف التصوير في بيئة معقدة داخل غرفة ضغط حديدية؟
"التصوير داخل غرفة الضغط كان اختباراً حقيقياً لصبر الفريق وقدرته على الابتكار. نحن نتحدث عن بيئة مصنوعة بالكامل من الحديد ومساحتها ضيقة للغاية، وكان علينا أن نضع داخلها ثلاثة ممثلين بالإضافة إلى طاقم التصوير، والإضاءة، ومعدات الصوت. التحرك والعمل في هذه المساحة شبه المعدومة كان خانقاً ومعقداً، ولكن بفضل التخطيط المسبق والدقيق، وزيارات الموقع المتكررة مع فريق العمل قبل بدء التصوير بفترة كافية، تمكنا من دراسة كل زاوية، وتوزيع الإضاءة بشكل استراتيجي، مما ساعدنا على تفادي العقبات اللوجستية وتحويل هذا الضيق إلى عنصر درامي يخدم الفيلم."
هل اكتشفت خلال التصوير حقائق أو تفاصيل لم تكن تتوقعها قبل بدء المشروع؟
"نعم، الغوص في هذا العالم كشف لي عن بروتوكولات وتفاصيل علمية ونفسية معقدة جداً لم أكن أتخيلها. اكتشفت أن الغواص التشبعي يعيش في عزلة تامة عن العالم الخارجي لأسابيع داخل بيئة مضغوطة، حيث يتنفس خليطاً خاصاً من الغازات يغير حتى نبرة صوته، ويخضع لجدول صارم لا يقبل الخطأ لأن أي هفوة قد تكلفه حياته. لقد أدركت أن الأمر يتجاوز المجهود البدني؛ إنها مهنة تتطلب صلابة نفسية استثنائية وضبط نفس لا يمتلكه إلا القلة. هذا المشروع جعلني أوقن تماماً بأن هؤلاء الغواصين يعيشون نمط حياة شاقاً ومهيباً يستحق أن يُروى بكل تفاصيله."
ما هو أصعب مشهد قمت بتصويره في هذا الفيلم؟
"بلا شك، هو المشهد الذي قمنا بتصويره داخل الكبسولة البحرية. الكبسولة عبارة عن كرة حديدية ضيقة جداً تتسع لشخصين فقط، ووظيفتها نقل الغواصين من غرفة الضغط إلى قاع البحر. المساحة كانت حرجة إلى درجة أننا بالكاد استطعنا إدخال البطل، وزميله، والمصور مع كاميرته. المشهد كان طويلاً وذا ثقل درامي هائل، وكان التحدي الأكبر هو ضرورة تصويره في لقطة واحدة مستمرة نظراً لصعوبة تكرار المشهد وإعادة تهيئة الظروف داخل الكبسولة. هذا التحدي وضع الممثلين والمصور تحت ضغط عصبي كبير، ولكن النتيجة كانت مذهلة ومفعمة بالواقعية."
ما هي الرسالة الفلسفية الأساسية التي كنت حريصاً على إيصالها للمشاهد؟
"الرسالة الجوهرية هي أن الإنسان لا يجب أن يبني قيمته أو يحدد كينونته بناءً على نظرة المجتمع أو الأحكام الخارجية، بل عليه أن يؤمن بأن نواته الحقيقية تنبع من أعماقه. في هذا العصر المليء بالمظاهر والمقارنات المستمرة، ننسى غالباً من نكون. أردت من خلال رحلة أحمد في قاع البحر، حيث العزلة التامة والهدوء المخيف، أن أظهر كيف يتجرد الإنسان من كل المظاهر والمشتتات ليواجه حقيقته ومكنوناته الروحية. الفيلم يسعى لتذكير المشاهد بأن أثمن ما تملكه هو سلامك الداخلي وهويتك الحقيقية التي تكتشفها عندما تغوص عميقاً في فهم نفسك."
الفيلم يسلط الضوء على فئة معينة في قطاع الطاقة والصناعة البحرية، كيف تصف ذلك؟
"الفيلم يركز بطريقة غير مباشرة على المعاناة اليومية والظروف القاسية التي يعيشها طاقم الصيانة البحرية. هؤلاء الرجال هم بحق 'الجنود المجهولون' الذين يعملون في صمت تحت ظروف مناخية وبيئية بالغة الخطورة، وبعيداً عن أهاليهم لشهور. هم القوة الخفية التي تقف وراء استمرار شريان الحياة الحديثة؛ من صيانة أنابيب النفط والغاز، إلى تمديد كابلات الإنترنت والكهرباء العملاقة في قاع المحيطات. أردت من خلال الفيلم أن أمنح هذه الفئة التقدير الذي تستحقه، وأن أرفع الستار عن تضحياتهم الجبارة التي تضمن لنا كمجتمعات رفاهية الاتصال والطاقة دون أن نشعر بما يدور في الأعماق لولاهم."
هل اكتشفت خلال التصوير حقائق أو تفاصيل لم تكن تتوقعها قبل بدء المشروع؟
"أكثر ما فاجأني ولم أكن أتوقعه قبل خوض هذه التجربة هو 'التأثير النفسي والسيكولوجي' الصارم الذي يفرضه هذا العمل على الإنسان. اكتشفت أن الغواصين داخل غرف الضغط يعيشون في بيئة من العزلة التامة، حيث يُحرمون حتى من نبرة أصواتهم الطبيعية بسبب خليط غاز الهيليوم الذي يتنفسونه، مما يجعلهم يتحدثون بأصوات حادة وأقرب ما تكون لأصوات الرسوم المتحركة. هذا التفصيل الذي قد يبدو بسيطاً، يحمل في طياته عبئاً نفسياً كبيراً يُفقد المرء جزءاً من هويته اليومية وسط ظلام الأعماق. لقد أدركت أن غواص التشبع لا يحتاج فقط إلى لياقة بدنية خارقة، بل إلى ثبات نفسي وصلابة ذهنية استثنائية لمواجهة العزلة والضغط، وهو ما جعلني أنظر إليهم بتقدير مضاعف."
ما هي أكثر لحظة أثرت فيك شخصيًا خلال رحلة صناعة الفيلم؟
"بلا شك، هي لحظة مشاهدة النسخة النهائية للفيلم مكتملة العناصر على الشاشة الكبيرة. في تلك اللحظة تحديداً، شعرت وكأن شريطاً من الذكريات والتحديات يمر أمام عيني؛ تذكرت ليالي القلق، ومحاولات التصوير المعقدة، والتنقلات الشاقة بين المواقع، والجهد البدني والذهني المضني الذي بذله كامل فريق العمل على مدار سنوات. الغريب والمدهش أن كل ذلك التعب تبخّر تماماً وانمحى من ذاكرتي في الثواني الأولى لعرض الفيلم، وحلّ مكانه شعور غامر بالفخر والامتنان. لم أملك حينها سوى الدموع والحمد لله سبحانه وتعالى الذي وفقنا وكأن كل تلك المشاق كانت مجرد تمهيد لهذه اللحظة الساحرة؛ فما كان توفيقنا إلا بالله."
هل غيّر هذا المشروع شيئًا في نظرتك للحياة أو للعمل؟
"للأمانة، هذا المشروع أحدث تحولاً جذرياً في قناعاتي المهنية وفتح لي باباً جديداً ومبتكراً في عالم الصناعة السينمائية. لقد رسخ في داخلي إيماناً عميقاً بأنه يمكننا تناول القصص الواقعية وتوثيق الحقيقة بأسلوب سينمائي درامي بحت، دون الحاجة للوقوف عند حدود النمط الوثائقي التقليدي القائم على المقابلات المباشرة وسرد الحقائق الجافة. تيقنت بعد هذه التجربة أن الخيال المبدع والمعالجة البصرية المبتكرة قادران على تحويل الواقع الملموس إلى ملحمة درامية تشد أنفاس المشاهد. 'عمق' أثبت لي أن حدود المخرج هي حدود خياله فقط، وأن السينما تتسع دائماً لأساليب تجريبية جديدة تدمج الواقع بالدراما بشكل يلامس القلوب."
ماذا يمثل لك عرض عمق على شاشات السينما السعودية؟
"هذا شرف كبير لي، وفرصة استثنائية وبداية مرحلة جديدة لصناع الأفلام في المملكة. الفيلم يحمل تصنيفاً دقيقاً كفيلم 'وثائقي درامي قصير'، وهو نوع من الأفلام يواجه عادةً تحديات تسويقية كبرى في العرض التجاري. لكن بفضل شركة التوزيع التي تعاقدنا معها (قنوات) وبإدارة الأستاذ فراس القبلاوي وفريقه الرائع، تحول هذا التحدي الصعب إلى واقع ملموس؛ حيث نجحوا في إقناع دور السينما التي وافقت مشكورة على فتح شاشاتها لفيلمنا. في البداية، لم نكن نتوقع هذا القبول الجماهيري والتجاري الواسع، لذا أتوجه بالشكر الجزيل لكل دور السينما في السعودية؛ لأنهم بجرأتهم وثقتهم يفتحون لنا كسعوديين سوقاً جديداً واعداً بالفرص الاستثمارية والإنتاجية الرائعة."
لو كان عليك تلخيص فيلم عمق في جملة واحدة، ماذا ستقول؟
"قيمتك الحقيقية تكمن في أعماقك."
لماذا يجب على الجمهور أن يخصص وقتًا لمشاهدة هذا الفيلم في السينما؟
"لأن 'عمق' ليس مجرد فيلم، بل هو تجربة بصرية وشعورية تأخذ المشاهد إلى عالم غامض وفوق العادة، وتقدم له تفاصيل حية لأصعب المهام التي يخوضها شباب سعوديون كرسوا حياتهم وتحدوا المستحيل لخدمة هذا الوطن في أكثر الأماكن خطورة وعزلة. الفيلم يستحق المشاهدة لأنه يعرض بيئات واقعية ومشاهد مهيبة من قاع البحر لم يسبق لعين المشاهد العربي أن رأتها في عمل محلي من قبل. هذا التميز البصري، مدفوعاً بعنصر التشويق والإثارة الحقيقية والدراما الإنسانية الصادقة، يجعل من الفيلم وثيقة بصرية ملهمة وممتعة تستحق تماماً أن تُعاش تفاصيلها على الشاشة الكبيرة."
ما الشعور الذي تتمنى أن يرافق المشاهد عند خروجه من قاعة العرض؟
"أتمنى أن يخرج المشاهد وهو يملك يقيناً تاماً بأنه لا وجود للمستحيل، ولا معنى للفشل في قاموس الإنسان الطموح. أريد أن يرافقه شعور بالوقود الداخلي والدافع النفسي ليتأمل في حياته وخياراته؛ ليعود ويسأل نفسه عن جوهره الحقيقي وشغفه الغائب. أتمنى أن تلهمه رحلة أحمد الجابر في الفيلم ليدرك أن المكنونات الثمينة والصادقة لا تأتي بسهولة، بل تتطلب الغوص بجرأة في مواجهة الصعاب. باختصار، أريد للمشاهد أن يغادر صالة العرض وهو مؤمن تماماً بأن قيمته الحقيقية تستحق عناء البحث والتنقيب عنها، حتى وإن تطلب الأمر النزول خلفها إلى قاع البحر."
بعد عمق ما المشروع الذي تحلم بتقديمه مستقبلاً؟
"بعد نجاح هذه التجربة ولله الحمد وردود الأفعال الملهمة، تولد لدي طموح أكبر لتطوير هذا الأسلوب الإخراجي. أحلم في المستقبل بتقديم سلسلة مشاريع تتبع نفس منهجية المعالجة السينمائية الراقية لرواية قصص شخصيات سعودية بارزة تركت أثراً في مختلف المجالات. نريد البحث عن الشخصيات الأكثر عمقاً، وجدلية، وثراءً إنسانياً، لنغوص في عوالمهم الخفية ونكشف عن الجوانب غير المروية في مسيرتهم. الهدف هو بناء أرشيف سينمائي مبتكر لقصصنا المحلية يُقدم للمشاهد العربي والعالمي بقالب درامي مشوق، يثبت للعالم أن أرضنا غنية بالقصص العميقة والأبطال الحقيقيين الذين يستحقون أن تُخلد سيرهم بصرياً."