"عبدالرب إدريس".. موسيقار جمع بين الأصالة الخليجية والحداثة العربية

مجده الأكبرارتبط بألحانه.. يؤمن بأن الفكرة المعاصرة تمنح الأغنية جواز العبور

نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
6 دقائق للقراءة

منذ ما يقارب ستة عقود، ظل اسم الدكتور "عبدالرب إدريس"حاضرًا في ذاكرة الغناء السعودي والخليجي كأحد أبرز صُنّاع الهوية الموسيقية. موسيقارٌ بدأ رحلته من المكلا في حضرموت اليمنية، وحمل معه شغف الطفولة، وإيقاعات البحر وألوان الغناء الشعبي، لينطلق بعدها إلى القاهرة، إذ درس الموسيقى أكاديمياً حتى نال درجة الدكتوراه من "المعهد العالي للموسيقى العربية" عام 1988، ليظهر كوجه جديد يجمع بين الحس الطربي والمعرفة العلمية، قبل أن ينتقل إلى الكويت في السبعينيات ليعمل معيدًا في المعهد العالي للموسيقى، ويواصل مسيرته في التعليم والتلحين حتى استقر في السعودية.

الفنان عبد الرب إدريس حقق أخيراً جائزة شخصية العام
الفنان عبد الرب إدريس حقق أخيراً جائزة شخصية العام

لم يكن عبدالرب إدريس مجرد ملحن يصوغ الألحان للآخرين، بل قدّم نفسه أيضًا كمطرب يملك صوتًا عذبًا قادرًا على حمل مشاعره الموسيقية إلى الجمهور مباشرة. غنّى أعمالاً تركت بصمة خاصة مثل "طائر بلا ريش"، و"آخر مراسيله"، و"أسمر حلو"، وأطلّ على الساحة بأغانٍ عاطفية لاقت صدى واسعًا مثل "ليلة عمر"، و"وداعك مر"، و"ابتعدي"، التي عكست عمق تجربته وصدق إحساسه. كما واصل تنويع تجاربه الغنائية بأعمال مثل "تصور"، و"زمان الصمت"، و"فات الأوان"، ليبرهن أن حضوره كمطرب لا يقل تأثيراً عن مكانته كملحن، وأنه يعيش اللحن غناءً قبل أن يمنحه للآخرين.

عبد الرحمن الناصر: عبدالرب إدريس حالة موسيقية
عبد الرحمن الناصر: عبدالرب إدريس حالة موسيقية

غير أن مجده الأكبر ظل مرتبطًا بألحانه التي قدّمها لعمالقة الطرب السعودي والخليجي. فقد ارتبط اسمه بمحمد عبده عبر روائع مثل "بعتذر"، و"كلك نظر"، و"إلى من يهمها"، و"الفجر البعيد"، وبطلال مداح في أغانٍ خالدة منها "أحرجتني"، و"صدق المحبة"، و"سبت العلايا". أما مع أبوبكر سالم فقد صاغ أعمالًا أصبحت علامات فارقة مثل "حجة الغائب"، و"أنا المتيم"، و"أعطني الحل". هذا التعاون لم يكن مجرد أعمال فنية ناجحة، بل تحول إلى أيقونات صنعت هوية الأغنية السعودية والخليجية ورسّخت حضورها في الوجدان العربي.

الموسيقى ترتكز على التاريخ

من جهته، أوضح الناقد الفني عبدالرحمن الناصر أن الفنان الدكتور عبدالرب إدريس لم يكن مجرد ملحن عابر في المشهد الخليجي، بل حالة موسيقية متفرّدة جاءت من عمق الحضارة والتجديد، إذ استطاع نقل الأغنية الخليجية إلى أبعاد سمعية جديدة. وقال: "حين تحاورنا قبل عشرة أعوام خلال تكريمه في مركز الملك فهد الثقافي، أخبرني أن الموسيقى ترتكز على التاريخ قبل كل شيء، وأن الفكرة المعاصرة تمنح الأغنية قدرة على التطور وتفتح لها مكانة أوسع بين الناس".

صورة تظهر عبد الرب إدريس مع الراحل عبد الكريم عبد القادر
صورة تظهر عبد الرب إدريس مع الراحل عبد الكريم عبد القادر

وأشار الناصر إلى أن تجربة إدريس مع الفنان عبدالكريم عبدالقادر شكلت نقلة نوعية، قائلاً: "أعمال مثل مرني، ورد الزيارة، وأحسب الجيات… وغيرها، كانت مختلفة سمعياً على مستوى الخليج، وبرز فيها صوت عبدالكريم بأسلوب جديد لم يقدمه من قبل".

مفارقات فنية متعددة

وأضاف: "المفارقات في مسيرة عبدالرب كثيرة، فقد أقنع جميع الفنانين تقريباً بالغناء من ألحانه، حتى الفنان الكبير أبوبكر سالم –رحمه الله– الذي كان نادراً ما يتغنى بألحان غير رفيق دربه ابن محضار، إلا أن إدريس استطاع أن يقدمه في أعمال خالدة مثل أنا المتيم، وحجة الغايب، وعطني الحل. كانت تجربة مختلفة في تاريخ أبوعاصي".

في السياق ذاته، يرى الناصر أن ألحان إدريس لم تكن مجرد أغانٍ للمتعة، بل "رحلات وجدانية تترك أثرها العميق في المستمع"، مؤكداً أن فنان العرب محمد عبده ما زال حتى اليوم يفاخر بأعماله مثل "أنت معاي، وإلى من يهمها أمري، وكلك نظر، وجيتك حبيبي، وأعتذر".

وتوقف الناصر عند تجربة "ليلة لو باقي ليلة" التي كتبها الأمير بدر بن عبدالمحسن ولحنها إدريس وغناها بنفسه، واصفًا إياها بأنها كانت "مفاجأة فنية غيّرت فكرة الغناء في الشارع الفني، وانتشرت انتشارًا غير مسبوق".

وختم الناصر بالقول: "الدكتور عبدالرب إدريس حالة إبداعية نادرة، فلسفته الموسيقية جمعت بين التجديد والتنوع، فمزج بين الألحان التقليدية والحديثة، وأثرى المكتبة الغنائية بأعمال صنعت بصمتها في ذاكرة الجمهور، وأسهمت في تطوير الأغنية العربية لتصل إلى آفاق أوسع".

أسلوب عبدالرب إدريس الفني يقوم على معادلة دقيقة بين الأصالة والحداثة. فجمله اللحنية عاطفية وبسيطة وسهلة الترديد، لكنها غنية مقاميًا، فيما حافظ على الإيقاعات الخليجية المحلية كالسّامري والعدني والحجازي، وأعاد تقديمها بتوزيع أوركسترالي معاصر. كما تأثر بالمدرسة المصرية الأكاديمية في التوزيع والهارموني، فنجح في منح الأغنية الخليجية بعدًا عالميًا دون أن يجرّدها من جذورها. وبذلك، أصبح أحد أوائل من نقلوا الأغنية السعودية من إطارها المحلي إلى فضاء الطرب العربي الكبير.

لم تكن مسيرة إدريس فنية فحسب، بل جاءت متزامنة مع التحولات الثقافية الكبرى في المملكة. ففي السبعينيات والثمانينيات، ومع الطفرة النفطية وصعود الأغنية السعودية إلى الساحة العربية، كان إدريس أحد أهم الأصوات التي قادت هذا الصعود بألحانه. وفي التسعينيات والألفية الجديدة، رسّخ معايير الإنتاج والتسجيل الاحترافية، قبل أن يعود في زمن "رؤية 2030" بصفته رمزاً موسيقياً مؤسساً، إذ تولى رئاسة "الفرقة الوطنية السعودية للموسيقى"، عام 2019، ليشارك في صياغة المشهد الثقافي الرسمي، ويصبح شاهدًا على مرحلة جديدة من الانفتاح الفني.

هذا العطاء حظي بتقدير واسع؛ فقد كرّمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت عام 2023، وتُوّج بجائزة الموسيقى ضمن "الجوائز الثقافية الوطنية” بالسعودية عام 2025. وهي محطات تؤكد أن إرثه لا يقتصر على الأغاني التي لحّنها وغنّاها، بل يمتد إلى كونه جزءًا من رحلة المملكة في بناء هوية موسيقية عصرية، تتماشى مع طموحاتها الثقافية الجديدة.

واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن من الإبداع، لا تزال أغنيات عبدالرب إدريس تتردد في المهرجانات والحفلات الكبرى، شاهدة على مسيرة موسيقار جمع بين الطرب والمعرفة، بين الأصالة والتجديد، وصاغ ذاكرةً موسيقية ستظل حاضرة في وجدان الأجيال المقبلة.

كان إدريس دائمًا يؤكد أن الأغنية السعودية الحديثة امتداد لتجارب جيله، إذ قال في أحد لقاءاته: "جيلنا حمل الأغنية من المحلية إلى العربية، واليوم أرى الشباب يكملون الطريق بجرأة أكبر ووسائل أوسع. المهم أن يحافظوا على الهوية وهم ينفتحون على العالم". بهذه الكلمات لخّص الموسيقار الكبير فلسفته الفنية التي جمعت بين الوفاء للماضي والإيمان بالمستقبل.

انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.