خاص الفنان التشكيلي السعودي عبدالله العثمان: الصحراء سؤالي الفني المقبل
كشف لـ" العربية.نت" تفاصيل رحلته الفنية ورؤيته بين الفنان والمتلقي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لا يتعامل الفنان التشكيلي السعودي عبدالله العثمان مع الزمن بوصفه مفهوماً مجرداً أو خلفية فلسفية للأعمال الفنية، بل يراه المادة الأولى التي تتشكل من خلالها التجربة الإنسانية بكل تحولاتها. ومن هذا المنطلق جاء معرضه الأخير إيقاع المتغيّر، الذي يواصل عبره مشروعه الفني القائم على قراءة العلاقة بين الإنسان والمكان والزمن، واستكشاف ما تتركه هذه العناصر من آثار على الذاكرة والخامة والوعي، كاشفاً أن الصحراء سؤاله الفني المقبل.
فهو حسب حديثه لا ينظر للصحراء باعتبارها فضاءً جغرافياً فحسب، بل مخزناً للذاكرة الأولى وامتداداً بصرياً وفلسفياً ووجودياً واسعاً. ويؤكد أن المرحلة المقبلة ستنشغل بتفكيك مفاهيم العزلة والامتداد والزمن في هذا الفضاء المفتوح، ومحاولة إعادة قراءة علاقة الإنسان المعاصر بالصحراء وسط التحولات الجديدة التي يعيشها العالم.
ويُعد عبدالله العثمان صوت فني بارز في مشهد الفن المعاصر في السعودية، إذ طّور ممارسات فنية متعددة التخصصات تمتد عبر التركيب الفني، والأعمال الضوئية، وأساطير الصحراء، وتتنّقل أعماله بين الذاكرة واللغة ومساحات المدينة المتحّولة، محِّولًة شذرات العمران والالفتات والضوء إلى تأملات في التحوالت المتسارعة التي تشهدها السعودية.
الزمن: رحلة أولى
ويقول العثمان في حديثه لـ العربية.نت إن الزمن في جوهره ليس مجرد أرقام تتوالى، بل هو الرحلة الأولى والأساسية للإنسان في هذا الوجود، والمعبر الذي يقوده نحو التجربة والاكتشاف. لذلك لم يتعامل معه في المعرض كفكرة مجردة، وإنما كعنصر بنيوي ومحرك أساسي للعمل الفني. ويتجلى ذلك في الخامات التي اختارها، ولم يرها مجرد أدوات، بل أجساداً حية تحمل آثار الزمن وبصماته، من الحديد المعتق إلى الخشب الذي تكشف تحولاته عن حركة الحياة المستمرة.
الفن .. مختبر بحثي مفتوح
في سياق متصل، يرى العثمان أن العمل الفني في جوهره أقرب إلى مختبر بحثي مفتوح منه إلى مساحة تقدم إجابات جاهزة. فالفنان، بحسب وصفه، يظل منشغلاً بالقصة والتاريخ والحدس الطبيعي للأشياء، لذلك يتحول كل عمل فني إلى سؤال جديد أو محاولة لإعادة تصور الواقع. ويؤكد أن العمل يبدأ من انشغاله الشخصي، لكنه يكتمل عندما يتحول إلى تساؤل يواجه المتلقي ويدفعه إلى إعادة قراءة محيطه والعالم من حوله.
ويشير إلى أن أكثر ما يفاجئه في تجربته الفنية هو تلك القراءات التي يأتي بها الجمهور من خارج توقعاته، إذ يحمل المتلقي معه رؤيته الخاصة وخبراته الحياتية المختلفة، فيخلق ارتباطات وتحليلات لم تكن حاضرة في ذهن الفنان أثناء التنفيذ. ويقول إن هذا التباين لا يزعجه، بل يمثل بالنسبة له أقصى ما يمكن أن يطمح إليه الفنان، لأن العمل لا يبقى نصاً مغلقاً، وإنما يتحول إلى مساحة مفتوحة للتأويل المستمر.
الرؤى نحو المتلقى
ومن هنا تأتي رؤيته للعلاقة بين الفنان والمتلقي، إذ يؤمن بأن العمل الفني يجب أن يظل قادراً على التنفس بعيداً عن القيود التفسيرية الصارمة. ويؤكد أن دوره ينتهي بمجرد اكتمال العمل واستقراره في فضائه، ليصبح بعدها ملكاً للمشاهد الذي يتولى ابتكار قصته الخاصة وإنتاج معناه الشخصي. فالمعنى، كما يقول، ليس ثابتاً، بل كائن حي يتغير ويتجدد مع كل تجربة مشاهدة جديدة.
وفي تجربته الإبداعية، تحتل الخامة موقعاً محورياً يتجاوز كونها وسيلة للتعبير، إذ يصفها بأنها المحرك الأساسي والمفتاح التشريحي للفكرة الفنية. فهو لا يفرض عليها معنى غريباً عنها، بل ينطلق من تاريخها وذاكرتها ووظيفتها في الحياة اليومية، لتقوده خصائصها الذاتية إلى صياغة المفهوم الفني النهائي.
التحول نحو الأرشفة
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت تجربته تحولاً واضحاً باتجاه البحث والأرشفة والتنقيب في الحكايات الاجتماعية والمعمارية والثقافية. ويقول إن انشغاله الفني أصبح أكثر ارتباطاً بتقديم أطروحات تستند إلى جذور ثقافة عريقة وإنسان ملهم، عبر تتبع القصص التي تتشكل داخل الأمكنة والفراغات والحكايات والأساطير والصحراء والحدس الإنساني.
كما يرى أن التحولات العمرانية والثقافية المتسارعة التي تشهدها المملكة فرضت نسقاً جديداً بالكامل في قراءة المكان. ويشير إلى أن هذه الطفرة أوجدت تنوعاً بصرياً هائلاً ومساحات جديدة للاكتشاف، وهو ما أتاح للفنانين فرصاً واسعة لالتقاط آثار التحول وإعادة ترجمتها بصرياً.
ولا يخفي العثمان صرامته تجاه أعماله الفنية، إذ ألغى أعمالاً بعد إنجازها بالكامل عندما شعر بأنها لا تشبهه أو لا تعبر عن مساره الحقيقي. وفي المقابل، لا يرى وجود مسافة تذكر بين روحه وفنه، معتقداً أن النسخة التي تظهر في أعماله الفنية أكثر التصاقاً بذاته.
وحول الجدل الدائم بشأن حاجة الفنان إلى شرح أعماله، يرى العثمان أن السياق الفني المعاصر يتطلب قدراً من التفسير والمشاركة المعرفية، ليس بهدف فرض معنى واحد على المتلقي، وإنما للمساهمة في تطوير الوعي والذائقة الفنية العامة. ومع ذلك، يؤكد أن الشرح لا يلغي حق المشاهد في إنتاج معناه الخاص واستكمال الجزء المتبقي من التجربة عبر تأويله الشخصي.
وفي معرضه إيقاع المتغيّر، يوضح عبدالله العثمان، الفنان التشكيلي السعودي أن المقصود بالمتغير ليس الزمن وحده ولا المكان أو الإنسان بصورة منفصلة، وإنما العلاقة الجدلية والديناميكية المتبادلة بين العناصر الثلاثة. إذ يرصد المعرض تأثير الزمن داخل المكان، وتأثير المكان بدوره في الزمن والوعي الإنساني، وما ينشأ عن هذا التفاعل من تحولات متواصلة.
ويصف المشروع بأنه يقع في منطقة تجمع بين الاتصال والانفصال عن أعماله السابقة التي تناولت “اللغة والمدينة”. فهناك استمرار لهاجس قراءة المكان والحيز والفراغ، لكن من زاوية جديدة تركز على مناطق الزمن وعلاقته المباشرة بالخامة والتحول.
أما الرسالة التي سعى إلى إيصالها من خلال المعرض فتتمثل في رصد العلاقة المعقدة بين الثبات والتغير. فبينما يفرض الزمن نوعاً من التجمد على الأشياء ويترك أثره عليها، تبقى التجربة الإنسانية أكثر مرونة وقدرة على التحول. ومن هذا الاشتباك المستمر بين الثابت والمتحول تتولد، بحسب وصفه، مساحات جديدة من الإدراك والوعي.
وعند سؤاله عن العمل الأقرب لتمثيل مسيرته الفنية، اختار "جغرافيا الأمل (السراب)"، بوصفه عملاً يختزل الكثير من الأسئلة والهواجس التي رافقته خلال مسيرته، ورغم أهمية الأثر الشعوري الذي تتركه الأعمال الفنية، فإن العثمان يفضل أن يغادر الزائر معرضه وهو يتذكر العمل نفسه قبل أي شيء آخر. ويقول إن الشعور قد يتلاشى أو يتشابه بين تجربة وأخرى، أما العمل الفني فيبقى شاهداً مادياً قادراً على استدعاء الأسئلة وتجديدها كلما عاد المتلقي إلى تأمله.