التمسك بالأمل.. الطريق إلى الخروج من النفق

محمد المختار الفال
محمد المختار الفال -
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

لا شك في أن مؤتمر القمة العربية، الذي اختتم أعماله قبل يومين في الظهران بالسعودية، انعقد والدول العربية في حال من التشتت والارتباك والهشاشة، ولا أحد يجادل في أن الدول العربية، في أعوامها الأخيرة، لم تتمكن من تنفيذ ما أصدرته القمم من بيانات وقرارات، باستثناء التمسك بالحق، وهو أمر بالغ الأهمية، وإن زهد فيه كثيرون من الذين يريدون «أفعالا» على أرض الواقع تنقل «الإرادة» العربية من مستوى البيانات إلى أفق العمل المشترك، الذي يترك أثره العملي في السياسات المشتركة والقرارات الدولية التي لا تحترم من لا يستطيع الدفاع عن مواقفه.

والبيان الختامي لـ«قمة الظهران» لم يفاجئ المتابعين، فالظروف المحيطة فرضت نفسها على المجتمعين، فجاء البيان فيما كان يتوقع له، لكن يحمد له أنه احتفظ «بجذوة الأمل» ولم يفقد «إرادة» تغيير الواقع ومواجهة التحديات الخارجية والداخلية، وظل متمسكا بإعلان تعزيز العمل العربي المشترك لحماية الأوطان من الأخطار، والعمل على صيانة الأمن والاستقرار، والتمسك بشعار «تـأمين مستقبل يحمل الأمل والرخاء للأجيال»، مع التقرير بأن «الأمة العربية» عانت من التدخلات الخارجية لزعزعة أمنها والتحكم في مصيرها، وشعار «الأمة العربية»، الذي حرص البيان على التصريح به، يواجه «ظلما» من بعض بنيه والتشكيك في وطنية من يدعو إليه، بل كادت كلمة «أُمّة» أن تخرج من القاموس العربي، خشية اتهام من يقول بها. لقد تمسك البيان الختامي للقمة بمركزية القضية الفلسطينية والهوية العربية للقدس، مع تأكيد الحرص على السلام باعتباره خياراً استراتيجيا جسدته المبادرة العربية في قمة بيروت 2002، والسعي لإنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، الذي يضمن دولة فلسطينية على حدود 1967، وتأكيد عدم شرعية القرار الأميركي في شأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتحذير من أي إجراءات تغيير الصفة القانونية للقدس، مع الترحيب بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في شأن القدس، ومطالبة العالم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية في هذا الشأن.

ويلاحظ أن القضية الفلسطينية استغرقت الفقرات السبع الأولى الطوال من البيان الختامي، وهي دلالة إيجابية تؤكد أن التحديات لم توهن الإرادة، وأن الإيمان بالحق لم يستسلم لتحديات الواقع المرير، وهذا الإصرار جدول عذب يصب في «حوض الأمل»، وسيظل يسقي إرادة الأجيال المتعاقبة حتى يتحقق العدل وينتصر الحق على الباطل مهما تضخمت عضلاته وتعملقت هاماته. وطاف البيان بالخريطة العربية، يدعم ما يبقي الحقوق حية في ضمائر الناس ووعي الشعوب، فأعلن دعم السعودية والبحرين في ما تتخذانه من إجراءات لحماية أمنهما وقدراتهما من أي تدخلات خارجية، مع إدانة ما تعرضت له السعودية من إطلاق صواريخ الحوثيين المدعومين من إيران، ومساندة جهود التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن لإنهاء الأزمة على أساس المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية وقرار مجلس الأمن 2216، وأكد البيان رفض التدخل في الشؤون العربية وإدانة بث النعرات الطائفية والصراع المذهبي، وتأكيد الرغبة في تبادل التعاون الإيجابي مع دول الجوار العربي، والمطالبة بحل القضية السورية بما يحقق طموحات الشعب السوري ويحفظ وحدة بلده وإنهاء وجود جميع الجماعات الإرهابية، وإدانة النظام لاستخدامه الأسلحة الكيماوية ضد الشعب السوري، وأعادت القمة، إلى الأذهان، أن العراق جزء من منظومة الأمن العربي القومي، وأكدت دعم الجهود الهادفة إلى تحقيق المصالحة الوطنية، كما اكدت الوقوف مع المؤسسات الشرعية الليبية والعمل على الوصول إلى ما يحقق المصلحة على أساس اتفاق «الصخيرات»، وركز البيان على بذل الجهود كافة للقضاء على التطرف وهزيمة الإرهاب. وليس بمستغرب، بل من الطبيعي، أن يقول قائل: هذا كلام لا جديد فيه، فهو كلام مكرور معاد، في مؤتمرات ولقاءات عربية لا حصر لها، ولم نر ثمراته على أرض الواقع، بل إن ما يتحقق يكاد يكون عكس ما هو معلن، ما يدعو إلى التشاؤم والتشكيك في جدوى مثل هذه البيان. والإنصاف يقتضي سماع هذا الصوت وعدم تجاهله، لأنه نابع، عند كثيرين، من الصدق والإخلاص لأوطانهم وخوفهم من استمرار «الانحدار» إلى ما يهدد الوجود، لهؤلاء المشفقين الصادقين المخلصين نقول: «نعم دواعي التشاؤم كثيرة، فالقرارات العربية مبعثرة، والإرادات منقسمة، والانكفاء على الذات لمعالجة الجراح الخاصة سمة غالبة على امتداد الوطن العربي، يغذيها إعلام محبط وأصوات متنامية تشعر بمرارة نكران الجميل من بعضهم، ما يزيدها قناعة بضرورة التوقف عن الانشغال بهموم الآخرين.

إلى جانب، كل هذا، فإن الأطماع الخارجية: الإقليمية والدولية، تزداد شراهة لبسط نفوذها على الخريطة العربية، مع ما تضيفه الحروب والإرهاب من استنزاف الثروات الوطنية، نعم هذه كلها أسباب «موضوعية» للتشاؤم والشعور بالحسرة على قدرات ضخمة لم توظف في المكان والزمان المناسبين لمواجهة التحديات التنموية والاخطار الامنية والمواجهات الخارجية، لكن الاستمرار في تغذية «نهر اليأس» لن يقود إلى شاطئ الأمان، بل سيعقد الحال الشعورية ويورثها مزيدا من الشعور بالضعف وانعدام الحيلة، فهل زيادة الكآبة تجلب الفرح؟ وهل التورط في مزيد من التشكيك في قدرات العرب على النهوض من كبوتهم دافع لنهضة الأوطان من العزلة وتوفير الثروات المستنزفة؟ وهل التخلي عن الأمل سيدفع باتجاه الخروج من حال الضعف التي يعيشها العرب؟ من يظن ذلك واهم ويتورط في تحميل كاهل الإنسان العربي مزيدا من الهموم والأعباء الثقال، ولن يزرع إلا مزيدا من الهزائم والانكسارات والفقر، الذي تضمر معه القدرات وتتناقص الطموحات.

لكن هل الدعوة إلى التمسك بالأمل كافية لإقناع الناس بأن الإرادة المشتركة تدفع باتجاه الضوء في نهاية النفق؟ على رغم أهمية الأمل، بل ضرورة التمسك به في اللحظات الحرجة، فإنه لا يصمد، طويلاً، أمام براهين الفشل وشواهد الفرقة ودلائل الانقسام، فمتى يدرك الجميع خطورة الاستمرار في حال الشتات؟ وهل يعود الإعلام العربي إلى مشاعر غالبية سكان هذه المنطقة للحديث عن «الأمة العربية» بلا خجل أو خوف من الاتهام بنقص الوطنية وعدم الواقعية؟

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.