الجرب السياسي!
من منّا لا يتأمل ما يحدث في اليمن وفي ليبيا وفي سورية وفي العراق وفي كل أنحاء الوطن العربي؟ ألم يخطر ببال أحدنا أن هناك أجرباً حمل هذه الحشرة بين ثنايا رأسه فسبب هذا (الهراش) العربي والعالمي -إن صح التعبير- حتى سالت الدماء في كل حدب وصوب؟
من منا لا يسمع كلمة الجرب ولا تنفر نفسه منه، ومن منا لايعرف اسمه ومادته وأعراضه فيتحاشاه. فالجرب مرض عضوي مقزز ومعدٍ، يجعل المريض في عزلة تجتنبه المارة الخاصة منهم والعامة، ولكن للجرب مسارات ومدارات، وله ألوان وزخارف، تهواها النفس إن كانت لخدمة أو مصلحة، فهل يعقل ذلك؟! وهل لنا أن نتسائل عن ما هو أخطر أنواع الجرب؟!
في يومنا هذا ومع التقدم الطبي أصبح الجرب مرضاً يخضع للعلاج وينتهي بتعاقي المريض بعد جرعة من دهانات الكبريت، وما إلى ذلك، ولكن من المدهش أن لا علاج لأنواع أخرى مهما تقدم الطب أو خال المريض أنه انتصر! فلا علاج لها.
ومن المدهش أننا لا نرى المارة تتقزز أو تبتعد من حامليها بالرغم من خطورتها كالجرب الفكري أو الجرب السياسي، وممكن أيضا الجرب العاطفي أجاركم الله؛ فنجد أن هناك من يتقربون منهم حتى يصل الأمر إلى التباهي بهذا الاقتراب!
إن البعد عن عاداتنا وتقاليدنا التي يتأفف البعض من الدعوة إليها، ماهي إلا وجدان ممهور بقانون الشرف الذي يعمل - كوسيلة ضبط اجتماعي وسياسي على ترابط البنية سواء كانت اجتماعية أو حتى سياسية، حتى أنها كانت قانونا عرفيا في المعارك وفي الحروب، فيتم النصر بقانون الشرف؛ وللشرف شأن عظيم في هذا الضبط الاجتماعي وتراتبه القبائلي، ولهذا كان لنا مجد نتغنى به حتى الآن! وينكر البعض علينا هذا الغناء الآسر بتلك القبائل وبعاداتهم وبتقاليدهم بالرغم من وطأتها القاسية على النفس في بعض الأحيان، وإنما لم نكن أفضل حالا حتى نكف عن هذا الغناء!
في يومنا هذا لا بد أن نتفحص أرومة، ومنابت، وطرائق المسارات السياسية في هذا العالم المليء بـ(الجراثيم) الفكرية التي تسبب حكة شرهة في الدماغ، فلا ينام صاحبنا ولا يصحوا إلا وأنامله تدمي من ذلك الرعاش الفكري الذي لا يوصله إلا إلى ذات متخبطة تبحث عن المصلحة! والمصلحة هي التي أصبحت تحكم المسارات السياسية في العالم أجمع، ونحن نعلم أن أصحابها مرضى بداء الجرب الفكري، في حين أنه لا يفقه كنة مرضه، لأن جرثومة المصلحة هي التي تحمل هذا الداء إلى عمق الدماغ ومن فرط اللهفة واللذة (الهراشية) لا يتيقن أنه أجرب!
إن من العجيب بل ومن اللافت للنظر هذا الهياج الإعلامي والخوف المجتمعي والضجيج في كل الطرقات الضيقة منها والفسيحة عندما أصيب عدد من المواطنين بمرض الجرب، وهذا أمر مشروع بطبيعة الحال، كونه مرض مقزز ومزعج ومعدٍ، وأنه ظهر في بلاد وصلت إلى التقدم والنظافة والعناية الطبية إلى ما وصلت إليه، وبالرغم من أنه ليس مرض عضال مثل فيرس سي وقاكم الله أو السرطان وغيره، فهو مرض يزول بمجرد تناول العلاج وبعض الدهانات، ونحن لا نهون من هذا الأمر فالخوف على صحة الوطن أمر مشروع وضرورى للغاية، ولكن ما يدعو للغرابة هو أننا لا نخاف ونهرع ونعلن ونتدارس ونفر فرار القطيع من الأسود حينما يظهر بيننا أجرب فكريا أو سياسيا أو حتى أخلاقيا، فهذه الأنواع من الجرب أشد ضراوة وأخطر أثرا.
من منا لا يتأمل ما يحدث في اليمن وفي ليبيا وفي سورية وفي العراق وفي كل أنحاء الوطن العربي؟ ألم يخطر ببال أحدنا أن هناك أجرباً حمل هذه الحشرة بين ثنايا رأسه فسبب هذا (الهراش) العربي والعالمي إن صح التعبير حتى سالت الدماء في كل حدب وصوب؟
لماذا لا نكون على مستوى الفزع الذي اجتاحنا من الجرب العضوي هذه الأيام؟ حينما يظهر بيننا أجرب فكريا أو سياسيا فيتم علاجه أو حجزه في مصحة فكرية حتى لا ينشر ما أصابه الله به من لوثة؟ ولماذا نهمل الأمور بدعوى الحرية الفكرية المزعومة حتى وصل بنا الأمر إلى ما نحن عليه.
إن آخر ما قرأت أن الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارات حاسمة وبدأت بلجيكا في تنفيذها، وهي أن كل من يرغب في السفر إلى هذه البلاد لابد أن يحصلوا منه على أدق المعلومات عن نفسه وعائلته وانتمائه وهواياته وحتى بريده الإلكتروني ومفتاحه السري وكل شيء، وتخضع كل هذه المعلومات للتحليل والدراسة فقط للسماح له بدخول بلادهم بعد اتخاذ القرار بشأنه! بمعنى أنه نوع من الأمن المخابراتي على كل واحد فينا؛ وأنه إذا أراد السفر فعليه البوح بكل أمر يسأل فيه سواء عن نفسه وأهله وعلاقاته الاجتماعية والوطنية، أو حتى على مستوى البلاد التي سيفد منها!
ربما لأنهم أسرع منا في محاصرة هذه الجرثومة التي تتسرب في أدمغة البشر، وربما ليصبح العالم كله مكشوفا لكله فلم تعد هناك سُتُر ولا حُجُب! بينما نحن نفتح ونستمع للكلمات الفضائية وغير الفضائية بحجة حرية التعبير!. أي حرية يقصدون؟ أي منقلب ينقلبون؟ فالمثل يقول: من أمن العقاب أساء الأدب. هكذا تركوا لنا أجدادنا كلمة واحدة، لكنها وسيلة من وسائل الضبط التي لم نعد نعيرها اهتماماً في يوم اختلط فيه الحابل بالنابل، فتبلبلت العقول وزاغت الأبصار وانتفخت الذوات الباحثة عن دور! إلا أن الأجرب السياسي يظل هناك في الزاوية منبوذاً إذا ما استبان أمره وانكشف سره.
* نقلا عن "الرياض"