الدرس
تجاه الثوابت الأخلاقية العامة التي يشترك فيها كل البشر، وتتشاركها كل الأديان، وتقرها كل الحضارات، لا أحد يمتلك مشروعية أن يكون محايداً تجاهها، الكل يقترن بتأييدها، ويقرن تحقيقها بالمصلحة العامة، وكل جهد إنساني لزيادة هذه الثوابت، سواء كان مستقى من خبرات حياتية تعاقبت أو مستلهماً من تعاليم دينية رسخت في الوجدان، يعتبر مقبولاً قبولنا بفكرة أساس في الرسالة الختام للبشرية «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» على صاحبها صلوات الله وصلاته، وصلاتنا وسلامنا ومحبتنا.
شهدنا انهيار «مشروع آيديولوجي»، هكذا اسميه حتى لو أختلف أعضاؤه في انتماءاتهم «الحركية»، لأنهم تمسكوا بإطار واحد ألبسوه كل أهدافهم السياسية والاجتماعية، وبالطبع الاقتصادية التي تغذي استمرارهم، وتجمع أموالهم في انتظار ظفرهم السياسي الذي لم يتحقق. ليس هنا فحسب، لكن في معظم دول الجوار المستهدفة. وأحسب أن التعاطي النقدي مع المشروع المنهار تشابه معه في السطحية، أثناء هيمنته، وحالياً بعد انهياره.
ارتكز المشروع المنتهي -على الأقل من المشهد العام- على الإحباط، إحباط الناس وإبعادهم عن كثير من الأسئلة، وارتكز مشروع المقاومة آنذاك أيضاً على الإحباط، الإحباط من الهيمنة لكن مع طرح الأسئلة، وكانت في معظمها لا ترقى إلى مستويات علامات الاستفهام التي تجعل الرأي العام يتوقف عندها، ويصطف بجانب المقاومين بحثاً عن إجابات شافية للروح، وكافية للعقل مع استثناءات معروفة لرموز قليلة العدد توارى بعضها أثناء المعركة، وصمد بعض أقل إلى اليوم، يوم انتصار الإرادة الجمعية عبر قيادتها السياسية.
عندما يعود «الفيروس» الذي لم يتم القضاء عليه تماماً إلى البيئة التي كان يهاجمها في جسم الكائن الحي، يعود أكثر ضراوة، حدث ذلك مع جماعات إرهابية كثيرة على سبيل المثال، وذلك أن العلاج كان لمقاومة «الفيروس»، ومحاولة تحييده عن التأثير في الخلايا، لكن لم يكن للقضاء عليه، أو –وهذا يحدث علمياً – يكون العلاج مخصصاً للقضاء عليه، لكن من يعالج أو يتعالج لا يكمل دورة الدواء المطلوبة، فيترك «الفيروس» ظاناً أن ضعفه وتراجع تأثيراته تعني الشفاء، ولا يدرك أنه كان شفاء موقتاً، إلا عند الهجمة التي تلي، والتي لا يمكن التنبؤ بوقتها، وكيفيتها.
حتى يتم استيعاب الدرس تماماً، لا بد من دراسة، لا بد من دراسات، محكمة وعلمية، ومعمقة لما حدث، وكيف حدث، وتفكيك كل ما يتعلق بتلك المرحلة للكشف عن مكامن قوتها، كيف تحققت كل تلك السلطوية؟ وكيف كان دور الجهات والأفراد في ذلك؟ عمداً أم جهلاً، وأي تحييد ساعدهم أكثر؟ تحييد الثقافة، أم تحييد العلوم الإنسانية، أم حتى العلوم الطبيعية، أم تغليب أخلاق على أخرى؟
ربما بعد عشر سنوات أو خمس لأن الأحداث تتسارع أكثر من وتيرتها المعتادة كلما مر عقد من الزمان، ربما يتوجه النقد إلى مرحلتنا الحالية، فإذا بنيناها على الأسئلة الصحيحة، والأفكار المتماسكة، سنجعل النقاش حينها أكثر فائدة.
في منظمات الصحة الإقليمية والعالمية، هناك فرق بين انحسار الوباء وبين القضاء عليه، الأمر نفسه ينطبق على «الفيروسات» التي أصابت وتصيب العقل، أصابت وتصيب الأخلاق.
* نقلا عن "الحياة"