.
.
.
.

التعليم والتنمية المهنية

يوسف القبلان

نشر في: آخر تحديث:

يتلقى الناس نفس المعلومات في المدارس والجامعات ويخضعون للاختبارات ويجتازونها لكن الخبرات العملية هي التي تكتشف القدرات وتنميها، وتنمي مهارة التفكير، وتفتح أبواب المستقبل أمام فروق فردية وقدرات متنوعة. في حقل التعليم لا تستطيع المعارف والنظريات والمثاليات إكساب المهارات العملية. القيم أيضاً لا تكتسب بالتنظير وإنما بالمشاركة والاندماج التفاعلي بين المدرسة والمجتمع.

يرى مؤلف كتاب صدمة المستقبل (ألفين توفلر) أن التعليم أو الاهتمام الكمي بالمعلومات لا يؤدي بذاته إلى ارتقاء التفكير ولا امتلاك القدرة على حسن الأداء ولا مهارة العمل، فالأداء بكل مستوياته وأنواعه فن فردي فلا بد أن يكونه الفرد بنفسه لنفسه، أما المعلومات فمهمتها توفير المواد لتشييد المعرفة وتكوين المهارة وبناء القدرة، ويختلف التشييد والبناء اختلافات نوعية باختلاف البنائين، لذلك فإنه رغم تشابه المعلومات التي يتلقاها الدارسون فإن تنويعات الأداء تتنوع بتنوع الممارسين. إن المعلومات هي مواد البناء لكنها ليست البناء ذاته.

في المدرسة يتلقى الطالب المعارف والمحاضرات وبرامج التوعية التي تستهدف بناء السلوك المثالي، والاتجاهات الإيجابية، لكنه إذا لم يشارك عملياً في نظافة المدرسة وتنظيمها وإدارتها، وإذا كانت الدراسة مجرد علوم نظرية بدون تطبيقات داخل المدرسة وخارجها وممارسات وتفاعل مع المجتمع فإن تأثيرها في تحقيق الأهداف المنشودة يكون ضعيفاً. الطالب لن يحافظ على النظافة خارج المدرسة إذا لم يمارسها داخل المدرسة، ولن يكون جاداً ودقيقاً في عمله حريصاً على جودة الأداء إذا كان تقييمه في المدرسة محصوراً بقياس مهارة الحفظ فقط. التنمية المهنية للطلاب لا تتحقق بالمحاضرات بل بالممارسات. التعليم بالمشاركة والممارسة هو التعليم الذي يربط المدرسة بالمجتمع ويفعل أثر التعليم في السلوك.

في مؤتمر المجلس الثقافي البريطاني لإطلاق برنامج ربط الصفوف تم تنظيم ندوات وتدريبات للمعلمين ومديري المدارس تحت عنوان: التعليم للجميع، جودة، إنصاف، تعلم مدى الحياة. في ذلك المؤتمر تطرق معلم عربي إلى موضوع اكتساب المهارات الحياتية والتقنية مشيراً إلى أن ذلك يصطدم بالنظرة الاجتماعية وضعف المناهج. أورد المعلم مثالاً يستشهد به حيث إن إحدى المدارس الرسمية قررت استنساخ تجربة أعدتها إحدى المدارس الخاصة لطلابها لتعلم بعض المهارات العملية بعد الساعات الدراسية، ولكن أولياء أمور الطلاب في المدرسة الرسمية رفضوا هذه الفكرة وقدموا شكوى ضد مدير المدرسة لأن التجربة –حسب رأيهم - تحتجز الطلاب ساعات إضافية ولا تعلمهم قيماً مفيدة، وكانت النتيجة إلغاء البرنامج.

إن دمج المعرفة بالمهارة بالسلوك هو المنتج التعليمي المنشود في عصر يحتاج فيه الإنسان إلى التسلح بسلاح الثقافة العلمية المهنية على أرضية أخلاقية صلبة، والمناهج ليست الكتب المدرسية بل هي المنظومة التربوية التي يتفاعل معها الطالب ويستوعب ما فيها من قيم وأهداف سلوكية تؤهله ليكون إنساناً فاعلاً مشاركاً ومؤثراً في تنمية المجتمع.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.