.
.
.
.

الترفيه.. خطوات باتجاه المستقبل

نجيب يماني

نشر في: آخر تحديث:

من أسوأ مترتبات زمن الصحوة الكالح أنه زرع في روع المجتمع حالة من الارتياب والتردد والخوف حيال خطوات التقدم والتطور ومواكبة العالم، وصنع من مفردة «البدعة» ومستنسخاتها من زواجر الكلمات ومعنّفات الأوصاف والخرافات فزّاعات تمنع أي خروج عن «الصندوق» العقلي، الذي استطاعت -في غفلة- أن تجعله السائد وسط مجتمعنا، وتحتفظ بمفاتيحه فكانت المحصلة مجتمعًا يرتاب حيال أي مباح، ويتردد أمام كل جديد.. متأخر الخطوة عن طرح المبادرة التي تُحسّن من سبل حياته بشكل يوافق ثقافة الفرح، ويجافي ثقافة الموت والفناء.. ولعل هذه «الحالة» الموصوفة قد بدت -بصورة أو أخرى- منذ أن طرح ولي العهد الأمين، «محمّد الخير» رؤيته الجريئة والطموحة والمتفائلة، والمنسجمة مع روح العالم، والمدركة لإمكانيات المملكة، وقدرتها على تفجير طاقاتها، وتسخير مواردها في اتجاه يخص تعمير الحياة ورفاهية الإنسان، بما يعكس مكانة المملكة الحقيقة، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، كللتها وثيقة برنامج جودة الحياة التي تجعل من وطني أفضل وجهة للعيش.

إن من الإجحاف والنظر الضيق أن تظل بعض العقول ترى في المشروعات الترفيهية، خروجًا على الثوابت، أو مجافاة لـ«الخصوصية»، فمثل هذا القول، سواء ارتفع جهرًا، أو تبطّن في النفوس هاجسًا وهمسًا، حرّي بأن نناقشه برويّة وعقل منفتح، وندعو أصحابه والمتعاطفين معه إلى التفكير خارج «الصندوق القديم» الذي صدئت مفاصله وبان عوار صنعته، فلو أنا نظرنا إلى الإطار العام لماهية الترفيه نفسه، لما جاوزنا دائرة المباح، ولن يقودنا ذلك إلى أي محرم أو شبه محرم.. فليست السينما -مثلاً- سوى أداة من أدوات العصر الحديث، تعاملنا معها بريبة وخوف زمنًا طويلاً، حين كان غيرنا يسخرها لصالح مشاريعه الفكرية والثقافية والرؤيوية، مشكلاً بها ثقافة غزت العالم، واستطاعت أن تؤثر فيه أيما تأثير، والحال نفسه يقال عن المسرح، وكافة الفنون الأخرى، التي أنفقنا ردحًا من عمرنا نجادل حول حليتها وحرمتها، نلوي أعناق الآيات ونأتي بالحديث الضعيف والمكذوب ليوافق هوى أنفسنا، والعالم يمضي قدمًا وينظر إلينا بقلب ساخر، وعقل مستغرب لحالة التحجر التي كنا فيها، إلى أن قيّض الله لنا محمد الخير، المدرك لروح العصر، والمتفهم لماهية المواكبة، والساعي نحو إحداث تغيير جذري في المفاهيم يكنس أوضار الفترة الصحوية البالية إلى غير رجعة، وهو جهد يستوجب منا في المقابل وعيًا موازيًا، يفهم الأشياء على حقيقتها، ويكسب الرهان بتفاعله الإيجابي، فأهل السينما يقع على عاتقهم عبء كبير في تقديم سينما سعودية منافسة، بعيدًا عن التهريج والتسطيح والسذاجة، فثمة قضايا أكثر إلحاحًا وأبعد غورًا في مجتمعنا، بحاجة إلى كُتّاب برؤية جديدة، وصناعي سيناريو بوعي متجاوز، ومجسدين لكل هذا بروح تستصبح تجارب الآخرين الناجحة والسابقة في هذا المجال، دون الوقوع في شراك التقليد، وفخاخ الاستنساخ.. باختصار نريدها سينما سعودية نرتادها فخرًا، ونصدرها وعيًا.. والحال نفسها نرجوه من أهل المسرح، والفنون التشكيلية والموسيقى، وكل مستهدف بإشاعة الجمال وثقافة الفرح والجمال في حياتنا، وحينها سيدرك «المرتابون» المعنى الحقيقي لـ«الترفيه»، ليس بوصفه زمنًا مهدرًا في اللهو وإن كان مباحًا، وليس وقتًا نصرفه من بنك الفراغ، ولكنه مشروع رؤيوي، يحمل في طياته أهدافًا بعيدة الآفاق، تؤسس لجيل يتعايش مع الحياة بتوازن نفسي وانفتاح عقلي ومرونة ترعى الثوابت، ولا تجعل منها حجرًا في الطريق.

علينا أن نعي جميعًا أن هذه المشروعات الضخمة التي ترسم أبعادها رؤية المملكة 2030 من شأنها أن تضع المملكة في المكانة التي تستحقها بين دول العالم المتقدم، فوق ما هي عليه من سمو المكانة ورفعة الشأن، باحتضان الحرمين الشريفين، وأكرم وأنعم به من شرف تتقاصر دونه كل الأشياء، فكل هذه المشروعات التي قامت والتي في طور البداية والإنشاء، كمشروع «القدية» العملاق، الذي أرسى حجر أساسه الملك سلمان -حفظه الله- كل هذه المشروعات الطموحة ستحدث فارقًا كبيرًا في حياة الناس، سواء على المستوى الاقتصادي أو الثقافي والاجتماعي وحتى في السلوكيات، منظورًا ذلك في البشارة التي حملتها كلمات ولي العهد الأمين «محمّد الخير»، في افتتاح مشروع «القدية» بقوله: «إن هذه المدينة ستصبح بإذن الله، معلمًا حضاريًا بارزًا ومركزًا مهمًا لتلبية رغبات واحتياجات جيل المستقبل الترفيهية والثقافية والاجتماعية في المملكة».

مضيفًا: «إن هذا المشروع الرائد والأكثر طموحًا في المنطقة يأتي ضمن الخطط الهادفة إلى دعم رؤية المملكة 2030 بابتكار استثمارات نوعية ومتميزة داخل المملكة تصب في خدمة الوطن والمواطن، وتسهم في تنويع مصادر الدخل الوطني، ودفع مسيرة الاقتصاد السعودي، وإيجاد المزيد من الفرص الوظيفية للشباب».

فهذه الكلمات النيرات غنية عن أي تعليق أو شرح، ففي ثناياها بشارات باذخات بغد زاهر ومشرق، فقط علينا أن نحسن استقباله، ونتهيّأ له كما ينبغي، وليعرف كل منا حجم إمكانياته، وسعة قدراته، وأي دور إيجابي يمكن أن يلعبه في المستقبل القريب والبعيد، فذلك أحرى به وأجدر من الجلوس على مقاعد الانتظار بين المتفرجين فوطني يخلق من جديد.

*نقلا عن عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.