.
.
.
.

المعرفة والتنمية بين طرفين

سعد علي الحاج بكري

نشر في: آخر تحديث:

عندما سقطت التفاحة على رأس إسحاق نيوتنIsaac Newton، في القرن السابع عشر للميلاد، وجد نفسه أمام حقيقة أن الأشياء تسقط إلى الأسفل متجهة إلى الأرض، وأمام ملاحظة أن هناك أثرا ينتج هذا السقوط. فأراد، بناء على ذلك، البحث عن سبب ما حدث، والهدف هو محاولة استكمال الصورة المنطقية للمعرفة المكتشفة أمامه بجوانبها الثلاثة "الحدث ــ والمسبب ــ والأثر". وعلى أساس هذه الصورة، أبدع نيوتن في بناء "نظرية الجاذبية الأرضية" وسقوط الأشياء، وقيم لها مقدار تسارع هذا السقوط، وأثره في سرعة الوصول إلى الأرض تبعا لارتفاعه، إضافة إلى ما يرتبط بذلك. وبات هذا الأمر تجربة معملية لمعظم طلاب مقرر الفيزياء الأول في مختلف الجامعات، وهو مقرر عام مطلوب عادة من مختلف طلاب فروع الدراسات العلمية والتقنية. ما سبق مثال حول اكتشاف حقائق الحياة والإبداع في بناء المعرفة، وهو الإجراء الذي يبحث عن الحقيقة ويسعى إلى فهم جوانبها المختلفة، وغايته اكتشاف مزيد من المعرفة والإبداع فيها، والإسهام في تراكم المعارف الإنسانية. وتتمتع حقائق الاكتشافات العلمية عادة بصفة "الحسم"، حيث تحمل نتائج محددة مثبتة، وغير خاضعة للنقاش أو تعدد الآراء. فليس هناك رأي في الجاذبية الأرضية، بل هي أمر واقع لا بد من إدراكه. مثل هذه المعرفة، قائم في شتى المجالات، يكتشف الإنسان منها، على مدى الزمن، حقائق لا تنتهي، لتكون الآية الكريمة (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) خير وصف لخفايا الطبيعة، ومحاولات سعي الإنسان إلى البحث عنها. ويمتد البحث عن المعرفة وإدراكها إلى مدى يتجاوز اكتشاف حقائق الحياة واستيعابها، ليعمل أيضا على ابتكار أساليب متجددة تختص بكيفية توظيفها والاستفادة منها، وفي ذلك استيعاب أوسع امتدادا، وأكثر عمقا لهذه الحقائق. فحقيقة الجاذبية الأرضية، وتحليل نيوتن لها، أسهما في التأسيس "لعلم الحركة" وتطبيقاته العديدة والمختلفة. وفي أمر مماثل، أتاح اكتشاف إمكانات طاقة مساقط المياه، وطاقة الرياح، والطاقة الشمسية العمل على دراستها ووضع أساليب للاستفادة منها، بما في ذلك تحويلها إلى طاقة كهربائية تؤدي إلى تمكين الوصول إليها على نطاق واسع. وبالطبع، هناك أمثلة عديدة أخرى مماثلة حول عدم الاكتفاء باستيعاب المعرفة، بل العمل على توظيفها والاستفادة منها أيضا. ولعله يمكن القول إن مسيرة اكتشاف المعرفة واستيعابها والإبداع فيها ليست سوى نصف الطريق في مسيرة المعرفة نحو التنمية. فلا بد من المضي قدما إلى النصف الثاني الذي يعنى بالعمل على استثمارها، بمعنى توظيفها والاستفادة منها. وهذا يعني تقديم منتجات وخدمات مناسبة تحمل قيمة يحتاج إليها الناس. فبذلك يستطيع أصحاب هذه المنتجات والخدمات توليد الثروة وتشغيل اليد العاملة والإسهام في التنمية المنشودة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن التنافس المعرفي العالمي الذي يتصف بالتسارع يقلص المسافة الزمنية بين النصف الأول من الطريق ونصفه الثاني. فالمنجزات المعرفية الحديثة تسير بسرعة، بل وبتسارع كبير، من الاكتشاف إلى التوظيف وصولا إلى تحقيق الفوائد المرجوة. وهناك متطلبات للانطلاق نحو النصف الأول من مسيرة المعرفة، ومتطلبات أخرى لاستكمال النصف الثاني منها. وتتضمن متطلبات النصف الأول تأهيل الإنسان وتفعيل إمكاناته في اكتشاف المعرفة واستيعابها والإبداع والابتكار فيها. ويحتاج هذا الأمر إلى تعليم يتمتع بصفتين رئيستين. الصفة الأولى هي صفة تأهيل الإنسان بالمعرفة الحديثة، خصوصا في المجالات المرشحة للتطور في الوقت الراهن مثل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، ومثل المجالات المناسبة للبيئة المحلية، كمجالات الموارد الطبيعية المتوافرة وغيرها. أما الصفة الثانية فهي صفة بناء "العقلية القابلة للنمو" Growth Mindset التي تدعو إليها الباحثة كارول Carol Dweck التي تعمل في جامعة ستانفورد؛ لأن هذه العقلية تحرر الإنسان من "العقلية الثابتة" Fixed Mindset المرتبطة بالتعليم التلقيني، وتفتح له آفاق التفكير والاكتشاف والإبداع وتحفزه على ذلك. وننتقل إلى متطلبات النصف الثاني من مسيرة المعرفة، وهو القسم الخاص بتوظيف المعرفة والاستفادة منها. وتشمل هذه المتطلبات العمل على نقل المعرفة من المكتبات الورقية والإلكترونية، ومن المعامل والمختبرات التجريبية، إلى أرض الواقع الذي يحولها إلى منتجات وخدمات حية مفيدة تستقبلها السوق؛ حيث يسهم ذلك في التنمية المطلوبة. ويحتاج نقل المعرفة بهذا الشكل إلى استثمار في المعرفة يستند إلى دراسات اقتصادية تهتم بتكاليف المنتجات والخدمات من جهة، وتدرس عوائدها ومدى استجابة السوق لها؛ كما يحتاج أيضا إلى التركيز على مجالات العلم والمعرفة التي يمكن أن تسهم في تطوير حياة الإنسان نحو الأفضل. على أساس ما سبق، يمكن القول إن مسيرة المعرفة نحو التنمية تتطلب تعليما مناسبا غايته الإنسان المؤهل القادر على التفكير والاكتشاف والإبداع، مع تقديم التحفيز اللازم له الذي يشجعه على ذلك، ويسهل له أموره فيه. وتزداد أهمية هذا الأمر مع زيادة زخم التحول الرقمي ومعطياته، خصوصا أن عمل الإنسان في المستقبل سيعتمد بدرجة أقل على الأعمال الروتينية، وبدرجة أعلى على الأعمال الأكثر ذكاء. وتتطلب مسيرة المعرفة نحو التنمية أيضا الاهتمام بالعامل الاقتصادي للمعرفة، والاستثمار اللازم لتوظيفها والاستفادة من أثرها التنموي الإيجابي إلى أرض الواقع. ولتحقيق الاستجابة المناسبة لذلك، لا بد من التعاون بين جميع أصحاب العلاقة، ويشمل هؤلاء جميع أبناء المجتمع، كل بإمكاناته ومدى قدرته على التأثير. على مدى عقود حظي كثير من أبنائنا بتعليم متقدم في كثير من المجالات؛ ومع توجهات تطوير التعليم، نأمل أن يتمتع أبناء الأجيال المقبلة بالمزيد من ذلك كما ونوعا. لذا يمكن القول إن درجة جاهزية الوسط المعرفي لاكتشاف المعرفة والإبداع فيها عالية، ومرشحة للتقدم؛ أي أن مسيرة اكتشاف المعرفة واستيعابها والإبداع فيها قائمة وقابلة للتطوير. وهناك، في موازاة ذلك، كثير من رجال الأعمال الناجحين القادرين على الاستثمار والاستفادة من الذخيرة المعرفية المتاحة والإسهام في مسيرة توظيف المعرفة والاستفادة منها. والأمل هو اللقاء وتكامل العمل والتعاون بين هذين الطرفين، وصولا إلى مسيرة معرفية متكاملة تحقق التنمية المنشودة وتعزز استدامتها.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.