.
.
.
.

النكتة ... سخاء ووفرة

علي القاسمي

نشر في: آخر تحديث:

المتابع لحروف وجمل التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة يلاحظ كيف أن «النكتة» باتت عنواناً بارزاً وملمحاً لافتاً في كتابات الشد والجذب، «النكتة» مشروع تنفس مجاني وإن كانت مفتوحة الأبواب للمضي من خلالها لأي محطة ووجهة. زخم هائل من الطرائف والنكت، ورغبة عجيبة في البوح بما تعسر وتيسر من الرغبات والرؤى وضجيج من الضحكات المستترة أو الظاهرة على انفراد يشتعل في هذه المساحات الشاغلة للأفراد، والإسهام في إشراكهم في هذا الحراك كل بما يظنه صالحاً ومناسباً للمكان وظروف أهله، ويبدو أن ثمة ما يشير إلى أن الهدف من هذا الزخم والهوس بالنكتة ينص على وجوب أن نضحك ما مكّنتنا الظروف والمساحات ووسائل البوح والخروج بالنص وعن النص.


المجتمع الغارق في النكتة والقادر على صناعة كمية كبرى من السخرية يستحق أن يبحث في تفاصيله في شكل جيد، ولو دققنا فقط في تفاصيل الطرائف المتداولة وأخذنا بالحبر البارز في أي ملمح ساخر لعرفنا كيف يفكر المجتمع وما هي الأشياء التي تضعه في مكاشفة مع واقعه ودهاليزه السرية؟ وكيف يمكن بالضبط أن تكتشف طموحه واحتياجاته والنقص الحقيقي الذي يفتقر إليه، يمكن أن نتساءل أيضاً لماذا هو هكذا؟ ومتى سيكون كذلك؟

لم تكن السخرية لعبة محلية إلا في الآونة الأخيرة، السخرية صنيعة الباحثين عن تعبير مختلف لا يمكنهم أن يوصلوه بالطريقة الجافة الجادة المباشرة، وهي محاطة بالمحاذير بالطبع لكنه يقفز على كل هذه المحاذير طالما كانت النهايات مختومة بانتزاع ابتسامة مفقودة أو إخراج ضحكة ظلت حبيسة الروح في انتظار من يتمكن من إطلاقها ومنحها الحرية التي فتشت عنها.

المضي نحو السؤال اللطيف والحرج: لماذا أصبحنا مجتمعاً سخياً في طرْقٍ ميادين السخرية؟ هو مضي نحو حالة تفكيك اجتماعي كانت ولا تزال عصية إلا على من يواجه المرمى بشجاعة نيابة عن أن يحرث الملعب طولاً وعرضاً، وهو غير قادر عن هز الشباك إلا بعد انتهاء المباراة تماماً.

مواطن سخريتنا وصناعة النكتة الفظيعة التي يعيش مجتمعنا عهده الزاهر الزاخر في صناعتها تقودنا لأن نعرف بأن ثمة حاجة ماسة للترفيه، في مقابل أن هناك ضغوطاً كثيرة لم يمارس معها أحد ذكاء التنفيس وفن فعل الممكن، الترفيه فعل مؤجل أو عابر بشيء من الروتين وكثير من المحاولات الباردة والخجولة فضلاً عن المعلبة، أما الضغوط فكلما كانت في حيز الازدياد فذاك يضفي السخرية الممزوجة بالوجع وهي سخرية «مكهربة»، أو يجعلنا مجتمعاً هشاً يمكن أن يحركه سطر وينطلق بتهور في أي منعطف لا يرجى من ورائه خير. نقطة الختام تقول إن مجتمعاً يعيش مع النكتة بزوايا المثلث وبشهية مفتوحة مجتمع يسعدك وربما يربكك في الوقت ذاته!

* نقلا عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.