تحديات أخرى تستحق الذكر
كان التحدي الاستراتيجي الأول، الذي أرى أهميته فوق كل تحد، هو وصف الهدف من الاستراتيجية بوضوح، لكن توجد تحديات أخرى تستحق الذكر، وجميع هذه التحديات تتعلق بالاستراتيجية في سياق عام من المؤثرات المحيطة بها. وفي السياق العام المحيط بالاستراتيجية أرى ضرورة ذكر تحديين مهمين، الأول تحدي الشركاء أصحاب المصلحة، أما التحدي الآخر فهو تحدي القدرة والإمكانات.
كان سبب التحول الذي شهدته الأحداث في حرب رمضان - على الأرجح - هو الخلاف بين أصحاب المصلحة، وكان منشأ هذا الخلاف هو عدم الرضا بحجم الإنجاز الذي حققته القوات المصرية بالعبور وتحطيم خط بارليف، والرغبة في تحقيق مكاسب إضافية بتطوير الهجوم. نجحت الاستراتيجية في تحقيق مكاسب كبيرة، لكن إدارة العلاقة مع الشركاء لتحديد نوع النصر الذي يمكن تحقيقه كانت التحدي الذي واجهته القيادة العسكرية. القناعات المختلفة بين شركاء المصلحة ربما أدت إلى تجاذب الأطراف المختلفة، ما يؤدي إلى عرقلة تنفيذ الاستراتيجية. ففي حالة حرب رمضان، أدى اختلاف القناعات إلى أخذ الأحداث إلى منعطف خطير للغاية، تمثل في «الثغرة»، وما كان بعد ذلك من تسوية سياسية.
أما بالنسبة للتحدي الآخر، فيقول جاك ويلش أحد أنجح المديرين التنفيذيين في تاريخ الولايات المتحدة، إن قياس قدرة المؤسسة على التنفيذ أهم من الاستراتيجية نفسها. فالاستراتيجية عند جاك ويلش نظرية بحاجة إلى إثبات، ولا يمكن إثبات النظرية إلا بالتطبيق. هكذا تصبح العملية الاستراتيجية تجريبية في الأساس، ويصبح التحدي في قدرة منفذ الاستراتيجية على التقدير السليم لنتيجة التجربة. هل تستطيع المؤسسة تنفيذ الاستراتيجية بالكامل، أم تنفذ أجزاء منها فقط؟ ماذا في يد متخذ القرار عندما يتبين أن فرص نجاح تنفيذ الاستراتيجية بالكامل ضئيلة؟ هل يقلص نطاق الاستراتيجية، أم ينفذها على مراحل؟ من واقع التجربة، قلما تعرض متخذ القرار لمثل هذه الأسئلة الجوهرية؛ نظرا لأن منهج السؤال النقدي يغيب عن منهجية بناء الاستراتيجيات السائدة اليوم. إن ما تقوم به غالب مؤسساتنا اليوم عند بناء استراتيجياتها هو الميل إلى الحل التوافقي، الذي يرضي أطراف المؤسسة جميعها. لذلك يكون سؤال القدرة صعبا، وتصبح القرارات التي يجب اتخاذها أصعب.
إن تحدي أصحاب المصلحة، وتحدي القدرة والإمكانات، من أهم ما على القائد مواجهته بشجاعة. إن دور القائد في مواجهة التحدي الأول يتطلب منه قدرة على الإقناع والتأثير، أما التحدي الآخر فيتطلب من القائد تقديرا للواقع كما هو مع رؤية واضحة للمستقبل. وبالنظر إلى التحديات التي تجب مواجهتها يتبين أن متطلبات نجاح الاستراتيجية مركبة، وبذلك يمكن أن نفسر صعوبة بنائها وتنفيذها. ومع وجود تحدي الشركاء وتحدي القدرة في قالب واحد، يتولد تحدٍّ جديد عند بناء الاستراتيجية، يتمثل في التوفيق بين رغبات أعضاء المؤسسة (أصحاب المصلحة) مع القصور في قدرة المؤسسة التنفيذية.
* نقلاً عن "الرياض"