.
.
.
.

هل تجيد القراءة فعلاً؟

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

عندما تنتهي من قراءة كتاب أو مقال هل قرأته فعلاً؟ يبدو السؤال غريباً بعض الشيء، لا أتكلم عن التدبر والتركيز وغيرها من ضرورات القراءة المعتادة، سؤالي بطريقة أخرى هل قرأت الكتاب بنفسك أم أن شخصاً آخر قرأه نيابة عنك أم أنك وقعت في الفخ الذي نصبه لك الكاتب؟ هل كنت تبحث عما لا تعرفه أم تبحث عما تعرفه، هل كنت تبحث في الكتاب عما يؤيد وجهة نظرك أم تبحث عن الحقيقة، عندما تنتهي من قراءة كتاب أو مقال ليس بالضرورة أن قرأته بنفسك وبملء حريتك.

في مادة المطالعة في المدرسة بعد أن ننتهي من قراءة النص يطرح علينا المدرس بعض الأسئلة ليختبر مدى استيعابنا للنص وفهمنا إياه، سأطرح نصاً شائعاً يتداوله الوعاظ، وسنرى ما الأسئلة التي طرأت علينا بعد أن ننتهي من قراءته.

(هارون الرشيد كان أحد الخلفاء، أحد الملوك العظام ولكنه كان صالحاً، كان يحج ويكثر من الجهاد في سبيل الله، لما بنى هارون الرشيد قصر الخلافة، وكان قصراً جميلاً فخمً، جاء الناس إليه يباركون ذلك القصر، كان بعضهم من الشعراء الذين ينشدون في جمال قصره وروعته وفخامته، دخل عليه الشاعر أبو العتاهية، فقال له الرشيد ما عندك يا أبا العتاهية، هات ما عندك من شعر فانشد أبو العتاهية: عش ما بدا لك سالما. في ظل شاهقة القصور. يجري عليك ما أردت من الغدو والبكور. إذا النفوس تغرغرت بزفير حشرجة الصدور. فهناك تعلم موقنا ما كنت إلا في غرور... فسقط هارون الرشيد على الأرض يبكي وكادت دموعه تملأ الأرض).

عندما نقرأ نصاً كهذا من الصعب أن نقرأه باستقلالية، المقدمة والخاتمة التي وضعها المدرس أو الواعظ تأخذ عقلنا إلى الجهة التي من أجلها سرد علينا هذا النص، مضافاً إلى ذلك كل ما سمعناه من مديح في هارون الرشيد.

عندما كنا في المدرسة كنا نخرج من الحصة منتشين وفي غاية الإعجاب والتعظيم لهارون الرشيد، هل سيدفعك هذا النص لكي تستمر في الإعجاب أم طرأ على بالك أن تسأل: ما الذي حدث بعد هذه الموعظة والحركات المسرحية التي أظهرها هارون الرشيد؟.

ثمة طريقتان لقراءة النص إما أن نذعن لسلطة الكاتب أو الواعظ وهي القراءة المريحة أو أن نطرح الأسئلة بعد أن نزيل الزخارف والمؤثرات كقوله: (كان صالحاً، كان يحج ويكثر من الجهاد في سبيل الله) عندئذ يصبح الموضوع بالنسبة لي هذا الإسراف في بناء قصر بأموال بيت مال المسلمين ثم يخر باكياً بمجرد سماع قصيدة وعظ. السؤال: هل ترك هارون الرشيد القصر وذهب يعيش متواضعاً ورعاً متأثراً بالقصيدة العصماء أم استمر يستقبل الشعراء والمداحين؟

ولكيلا تقع في فخ الإذعان مرة أخرى عليك أن تسأل: ما الأفكار التي يريد أن يزرعها كاتب هذا المقال في دماغي؟

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.