.
.
.
.

في حضرة الطيبة

ميسون الدخيل

نشر في: آخر تحديث:

أحيانا تجد نفسك في موقف لا تحسد عليه! ولماذا لأنك لا تستطيع أن تجرح هذا الإنسان الذي أمامك، خاصة وإن كانت كل مظاهر الطيبة تغلفه من رأسه حتى أخمص قدميه! طبعا نحن لا نخاطر، ولا نسمح لأي إنسان أن يتعدى حدوده مهما كان نوع لباس الطيبة الذي يرتديه، ولكن في حالات قد تمر بها لا تستطيع أن تأتي بأي حركة أو تنطق بأي كلمة مما قد يؤثر سلبيا على هذا الإنسان الذي أمامك، الأمر ليس فيه خروج عن القانون أو تعدٍ على حقوق الغير، الأمر ببساطة جرعة إنسانية تغمرك فجأة، فإما أن تتفاعل معها وتدعها تأخذ مجراها، وإما أن تقطع العرق وتسيّح دمه!

قررت فجأة كعادتي والتي أتمنى على الله ألا يغيرها بالرغم من الخبرات المضحكة التي مررت بها من جراء تلبيتي لهذه الرغبات الفجائية، قررت أن أدخل صالون تجميل وحلاقة من أجل أن أغير شكل ما تبقى لي من شعر فوق رأسي، وبالمناسبة بالرغم من أنه حوالي شعرتين ونصف، لكنني فخورة وسعيدة به! وهذه السعادة ما يدفعني دائما للمخاطرة بدلا من الحرص والتروي، ودائما أعود إلى المختصة هنا على أرض الوطن لتقوم بإنقاذ ما يمكن إنقاذه! لا أدري، حقا لا أدري ما الذي يدفعني لمثل هذه المغامرات والمخاطرة بشيء غال أملكه؟! ربما نسبة الأدرنالين التي تتدفق بكل سخاء داخل خلايا دماغي الذي بات يدمنها! ولكن العجيب هنا أن جميع الدلائل كانت تشير إلى أن مصيبة على وشك أن تقع فوق رأسي، وبالأحرى للغاليات مما تبقى من شعرات رأسي، إلا أنني لم أقفز من مكاني وأطالب بمختصة شعر أخرى غير التي وقفت خلفي وجعلتني أعيش لحظات رعب منها وشفقة عليها وحبا لها! مشاعر متضاربة، كان الأمر يجب أن يحسم إما شعري أو شعورها!

كنت أتسوق وخلال مروري في أروقة السوق لاحظت جمال قصات شعر النساء من حولي، فتحرك شيء ما بداخلي، وسمعت صوتي الداخلي يحدثني بل يحثني: لقد أتى وقت التغيير، «انظري إلى نفسك في المرآة، بات مظهرك يفجع الوليد ببطن أمه! ماذا تنتظرين لتقومي بالتغير، والظاهر أنهم هنا بارعون في القصات، وها هو الصالون أمامك ادخلي لتخرجي امرأة ثانية، تحركي فأنا لا أريد أن أستمر بإغماض عينيّ كلما نظرت إليك في المرآة كل صباح»! هذا الصوت المشاغب كم من مقالب وقعت فيها بسببه! ولكنني ككل المرات من قبل أصغيت وانصعت! ووجدت نفسي أحجز موعدا عند موظفة الاستقبال، والتي بدورها وجهتني إلى مكان في واجهة الصالون لأجلس فيه وأنتظر قدري! سحبت مجلة قصات الشعر من على الطاولة التي أمامي لأتسلى حتى يأتي الفرج، وأنا أتصفحها وإذ بصوت يتحدث إليّ بلكنة المنطقة الغربية، «مرحبا اسمي جني»، جني! لو أن رابط اللغة العربية تحرك في رأسي لنبهني إلى أن الاسم بحد ذاته لا يبشر بخير، كان ينقصه فقط حرف التاء المربوطة! رفعت نظري من الصفحة التي كانت أمامي لإحدى العارضات الجميلات لأرى العكس أمامي! شعر منكوش لا تستطيع أن تميز له لونا أو شكلا، ونظارة سميكة ومن خلفها عينان، وكأنما ركب عليهما وجه دقيق الملامح! «أمري إلى الله» قلت في نفسي، وسرت خلفها كالخروف الذي يجر إلى المسلخ! وأول ما جلست بادرتني بالترحيب ثانية وسألتني عما أريد أن أشربه، فلديهم الشاهي والقهوة والمشروبات الغازية، طلبت قهوة فأجابت:«القهوة قديمة سوف أحضر إبريقا جديدا، عن إذنك»، وتوجهت إلى غرفة في زاوية الصالون، ثم عادت وما إن بدأت بالحديث معي حتى نادتها موظفة الاستقبال للحديث على الهاتف، غابت فترة قليلة ثم عادت وهي سعيدة تكاد تطير من الفرحة، نظرت إليها وأنا مبتسمة ورددت نظري إلى تلك المرآة الخبيثة، لم تتركني أفكر بالمرأة التي أرى انعكاسها أمامي، وقالت: «لقد وجد أحدهم محفظتي على مضخة البنزين في المحطة وسلمها لمركز الشرطة، وتعرفوا إلي من خلال بطاقتي الشخصية ورقم الصالون من كرت العمل اللذين كانا بداخلها»، أول الغيث! «الحمد لله» أجبتها ورددت نظري إلى حيث ألمي ومعاناتي! ولكنها ما لبثت أن بدأت في فتح أدراج مكتبها تحت المرآة وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة، ثم قالت: «أين المشط الخاص بي»؟ «في جيبي» قلت في نفسي، ونظرت إليها بنظرة كلها براءة وكأنني أقول:«ليس معي، ماذا سنفعل الآن»؟! لكنها توجهت إلى حقيبتها إلى جانب الأدراج والتي كانت بحجم «طنجرة محاشي»، فعلا لأنني اكتشفت ذلك فيما بعد، وهي كل بضع دقائق تبحث عن شيء لا تجده في الأدراج! «يا امرأة، ما الذي لم تنسيه أو لم تضيعيه، على حظي الأسود معك»؟! وهنا التفتت إلي وقالت: «هل أستطيع أن أحضر لك شيئا لتشربيه فلدينا العديد من المشروبات هنا»! «وماذا عن القهوة»؟! قلت في نفسي،«ما رأيك بمشروب غازي»؟ بادرتني بسؤال ثان، هنا حركت رأسي باستسلام تام ولم أجب فلقد كان عقلي يعمل على سرعة 1000 كيلومتر في الثانية! «اهربي يا ميسون، انفذي بشعرك قبل أن تقع المصيبة، المرأة لا تتذكر شيئا، فكيف ستتذكر كيف تقص ذهبك الغالي»؟! ذهبت ثم عادت بالعلبة ووضعتها أمامي، وأنا بكل حراك عقلي لم أجرؤ على أن أتحرك من مكاني! لماذا؟! لأنها كانت الطيبة كلها متجسدة بإنسان، لأن ملامحها وصوتها وطريقة كلامها لامست روحي، فكيف أجرح يمامة ترفرف فوق رأسي بكل خفة؟!

النتيجة؟ مأساة! شعر لا أعرف له أول من آخر! ولكنني لشيء ما في نفسي خرجت سعيدة، لأنني تواصلت مع امرأة جميلة من الداخل تشعرك بالحنان والأمان وأنت تُسلخ بكل حب تحت يديها! هل جرب أحدكم العيش ساعات رعب وطمأنينة بنفس الوقت؟ أنا عشت تلك الخبرة معها، قصصها عن نفسها وعن أهلها ومنطقتها، عفويتها، إن في حضرة الطيبة لا تستطيع أن تجرح، في حضرة الطيبة لا تستطيع أن تقسو، في حضرة الطيبة لا تستطيع سوى أن تكوني أنت الطيبة!

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.