.
.
.
.

من يكتب التاريخ يصنع الهوية

مشاري عبد الله النعيم

نشر في: آخر تحديث:

قبل سنوات طرحت فكرة تأسيس مؤسسة ثقافية تعمل في الخارج مهمتها الأساسية عمل دراسات عن الثقافة السعودية، تاريخا وتراثا ومجتمعا، ونشرها باللغات الحية، وتمنيت أن نسمي هذه المؤسسة: Foundation for Saudi Studies «مؤسسة الدراسات السعودية». ويمكن أن أقول إن ما لفت انتباهي إلى أهمية وجود مثل هذه المؤسسة قبل سنوات عدة، هو وصول نشرة بريدية إلكترونية من أحد الناشرين البريطانيين تحمل عناويين كتب جديدة كلها حول الثقافة الفارسية وعلمت أن هناك مؤسسة للدراسات الفارسية مهمتها الأساسية هي العمل مع باحثين مهتمين حول العالم وتشجيعهم لإجراء دراسات عميقة وأكاديمية حول التاريخ الفارسي وما يرتبط به من ثقافة مادية وغير مادية وتمنيت أن يكون لدينا مؤسسة بهذا التركيز تعمل على بناء صورة تاريخية/ ثقافية رصينة وعميقة عن المملكة خصوصا وأن بلادنا مازالت بكرا في مجال الدراسات التاريخية والآثارية والثقافية، وكل يوم يتم اكتشاف أثر جديد فيها وتم تسجيل خمسة مواقع تراث عالمي والمزيد قادم ولكن كل هذا لم يتم بحثه وتحليله ونشره بأسلوب علمي مناسب حتى الآن. نحن نملك المخزون التاريخي والتراثي الضخم والثري لكن لا نملك الإدارة المناسبة التي نستطيع بها إبراز هذا المخزون، وهذا يمكن أن يكون لها تأثير ثقافي وسياسي واقتصادي سلبي على المدى الطويل.

قبل أسبوعين تقريبا شاركت في ندوة الدراسات العربية الـ 52 في المتحف البريطاني في لندن، وهذه الندوة تقوم عليها المؤسسة البريطانية للدراسات العربية، وهي تجمع لمجموعة من المهتمين بتاريخ وآثار الجزيرة العربية واستمرت إلى أكثر من نصف قرن حتى الآن وكثير من مؤسسي هذه الرابطة ينتمون إلى «مدرسة الدراسات الاستشراقية والأفريقية» SOAS. بصراحة أشعر بالخجل أحيانا عندما أرى هذا التجمع الذي يهتم بتاريخنا وتراثنا ومستمر في اهتمامه ويقوم بإصدار كتاب سنوي هو سجل لأبحاث الندوة، ونحن لا نستطيع فعل شيء رغم كل الإمكانات التي لدينا. شخصيا كنت أشارك بانتظام في هذه الندوة بين عامي 2003 وحتى 2010 ثم انقطعت لمدة 7 سنوات وهذا العام شاركت من جديد، وخلال فترة مشاركتي وانقطاعي كذلك لم تتغير تقاليد هذا التجمع العلمي ولم تتغير تركيبة المشاركين فيه الذين هم من غير العرب المتخصصين الذين يعملون في حملات التنقيب في دول الخليج ويندر أن يكون بينهم خليجيون وعرب. هذه الملاحظات ليس فيها أي مبالغة ويمكن العودة لسجل الأبحاث المنشور للتأكد من ذلك.

التاريخ لا يرحم ومن يكتبه هو الذي يشكل الصورة عن الآخر، وطالما تركنا غيرنا يكتب تاريخنا ويشكل الصورة التي يريد أن يبنيها عنا فلن تجدي أي محاولة لتغيير هذه الصورة فنحن في عالم لا يكفي فيه بناء صورة إعلامية سطحية لا تقف على أسس عميقة علمية وتاريخية بل يجب أن تنطلق رسائلنا الإعلامية من عمق تاريخي نكون نحن من كتبناه وبحثناه وحددنا ملامحه. أحد عوامل صناعة هويتنا لدى الآخر هو كتابة التاريخ كما نراه نحن لا كما يشتهى الآخر أن يصورنا، لذلك كنت أفكر كل مرة أشارك فيها في ندوة الدراسات العربية كيف يمكن أن تتغير صورتنا في الغرب ونحن حتى الندوات المهمة التي تمس تاريخنا وتراثنا نهملها ولا نعلم عنها شيئا. وبالطبع كنت أمنى النفس ان تكون لنا مؤسساتنا العلمية والثقافية التي تصنع هويتنا الحقيقية ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

لا أستطيع إنكار الصراع الداخلي الذي يعتمر داخلي وأنا أجد أننا مرمى سهل يستطع الآخرون مهجامتنا بسهولة والولوج إلى تاريخنا وتحريفه حسب أهوائهم ونحن لا نستطيع أن نحرك ساكنا لأننا فقط لم نقم بالواجب الذي يفترض أن نقوم به. وجود مؤسسة عالمية تعنى بالدراسات السعودية هو بداية للحل ولكن بكل تأكيد يفترض أن تكون هذه المؤسسة خارج أطر التقاليد التي نعرفها عن مراكز الدراسات بل يجب أن تكون عالمية بالمعنى الدقيق تعمل مع جميع المهتمين في العالم وتكون مركزا لدعم القرار السياسي والثقافي والاقتصادي وتنطلق من أهداف ثابتة تساهم في صناعة هوية جديدة راسخة للمملكة.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.