عاد جرس المدرسة يدق من جديد

محمد يافع
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
6 دقائق للقراءة

دقت أجراس المدارس من جديد، وبدأت معها ساعة الجد والعمل، وعاد الطلاب والمعلمون إلى مدارسهم وفصولهم بعد غياب طويل، ليبدؤوا عامهم الدراسي الجديد، بعد انتهاء العطلة الدراسية الطويلة، ومن المؤكد أن الحديث سيعود مجددا مع فتح المدارس لأبوابها عن طلبات المعلمين والمعلمات من طلابهم وطالباتهم، وشراء اللازم من المستلزمات الدراسية، والحديث عن الحقيبة المدرسية وحجمها، وماذا ستحمل من مواد ومستلزمات، وعن صعوبة استيقاظ الطلاب والطالبات للتوجه إلى مدارسهم، والغياب المعتاد في الأيام الأولى من الدراسة، وسيكون الحديث كذلك عن مدى استعداد المدارس للعام الدراسي الجديد، وهل كل شيء أصبح مهيأ وجاهزا؟ وهل الفصول والقاعات والتجهيزات وكامل المناهج الدراسية جميعها جاهزة؟ وأهم من كل هذا وذاك، ماذا عن الاستعداد النفسي والجسدي عند الطلاب والمعلمين لعامهم الجديد؟ وماذا عن اكتمال نصاب كل مدرسة بحسب ميزانيتها من المعلمين والمعلمات والإداريين والإداريات، حتى تكون البداية جادة؟ وماذا عن الخطط المدرسية، وهل ستنفذ في موعدها، وتسير دون أي تأثير سلبي من جراء النقص أو العجز في تكاملها على أعمال المدارس؟ سواء ما يتعلق بجداول الطلاب والطالبات وتزويدهم بها، أو توزيع الكتب الدراسية دون وجود أي تأخير أو عجز فيها، أو مباشرة المعلمين والمعلمات إلى مدارسهم، وعدم وجود عجز في خطة كل مدرسة، أو ما يتعلق باكتمال الخطط الدراسية مثل «برنامج استقبال المعلمين والمعلمات الجدد» في مدارسهم، وكذلك استقبال المستجدين من الطلاب والطالبات الذين تعد المدرسة في حياتهم خطوة انتقالية جديدة، تحتاج إلى التمهيد والاستقبال المنظم القائم على تنوع الأنشطة الترفيهية والتربوية، والتدرج في حضورهم للمدرسة، وإن كانت مرحلة الروضة قد خففت من صعوبة هذه النقلة لمن التحق بها، وألغت بعض مخاوفهم من المدرسة، إلا أن التخطيط للأسبوع التمهيدي لاستقبالهم سيشكل مسارا جيدا في حياتهم، وسيعينهم على سرعة التكيف مع أجواء المدرسة، هذا إذا ما طُبق برنامج الاستقبال بطريقة صحيحة بعيدا عن الارتجالية، ولن يغيب الحديث عن نقل المعلمات، خاصة وأننا في كل عام نصدم بمسلسل من حوادث المعلمات الدامية.
ولأننا نعيش بداية العام الدراسي الجديد، سنكون بذلك قد بدأنا فتح صفحة جديدة وطوينا أخرى، فهذا يعني أننا سنشهد قوافل الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات تعود إلى سلك الطرقات نحو مدارسهم من جديد، وسنرى أن الأسر ستعمل على استنفار كل جهودها للعودة بأولادها إلى النظام الاعتيادي الذي أتت العطلة عليه، فقلبت حالهم رأسا على عقب، فأحالت ليلهم نهارا، ونهارهم ليلا، وهذه المهمة تحتاج من الأسرة أن تتحلى بالصبر، لأن عملية تعديل نظام أولادها ستحتاج إلى وقت وصبر حتى يعودوا إلى وضعهم الطبيعي، كي تعمل على مشاركتهم فرحة العودة إلى المدرسة بلا مشاكل، وأن تتبع أسلوبا تربويا يخلو من العنف أو استعمال الشدة، وألا تجعل من المدرسة أو المعلم أداة تخويف وترهيب، فأولادنا كل ما يحتاجونه خلال الأيام القادمة أن يجدوا من يعينهم على التعلق بالمفاهيم والقيم الجمالية، وعلى رأسها القيم الدينية، وأن يتعلموا «قيمة الإنجاز» في عامهم الدراسي الجديد، كي يصبح هدفهم في مسيرتهم الحياتية المستقبلية.
أما ما يتعلق بالمعلمين، فهم ليسوا ببعيدين عن التأثر بالأجواء التي ستصاحب العودة إلى المدرسة، وإن كانت عودتهم سبقت طلابهم، وهو أمر جيد يعين على التهيئة وتكيفهم من جديد مع العمل المدرسي بعد العطلة، فهناك نسبة منهم، وبخاصة المعلمين الجدد، هم أحوج ما يكونون إلى تعامل قياداتهم المدرسية وفق المسؤولية المنوطة بهم في إدارة العمل المدرسي بفن ومهارة وخبرة، فيعملون على تخفيف ضغوطهم النفسية والعملية، ويسعون إلى تهيئة الأجواء المدرسية أمامهم، كي تكون مناسبة لبداية ناجحة دون تعثر، بعيدا عن أسلوب التسلط والأوامر الفوقية، فالمدرسة في المفهوم التربوي الصحيح، وكمنظومة عمل، لا تقوم إلا على الشراكة والتشاور بين أطرافها، وصولا إلى الأهداف التربوية والتعليمية.
ولأننا نتحدث عن المدرسة بمناسبة العودة إليها، وبدء عام دراسي جديد، فكم يجدر بنا أن نعيد التأكيد على أن رسالة المدرسة لم تعد تعليمية فحسب، بل قد تجاوزت ذلك الدور بكثير، فهي إضافة إلى كونها مصدرا لتزويد الطلاب بالمعارف والعلوم، فهي أيضا تعد مصنعا للمهارات ورعاية المواهب التي يكتسبونها من الأنشطة المدرسية الترفيهية والرياضية والمهارية، التي يجب أن تكون متنوعة ومشوقة وجاذبة، وقادرة على تلبية احتياج الطلاب والطالبات، علما بأن «حصة النشاط» أتت لتلبي احتياج الطلاب على اختلاف ميولهم ومواهبهم وقدراتهم من أجل إيجاد بيئة جاذبة، أيضا المدرسة تهدف إلى إعداد طلابها وطالباتها كي يكونوا مواطنين صالحين، معتزين بدينهم، بهويتهم، بتراثهم، بثقافتهم، بقيمهم الدينية والوطنية والأخلاقية، قادرين على التمييز بين ما يفيدهم وينفعهم، وبين ما يضرهم، خاصة في ضوء علاقتهم طوال الوقت مع وسائل الإعلام الجديد، وما تضخه آلاف الحسابات والمنصات والتطبيقات إليهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة من مواد بينها الغث والسمين، كذلك تهدف المدرسة إلى تنمية مهارات طلابها على التخطيط لأهدافهم وأحلامهم، وتهدف إلى تزويدهم بقيم العمل خاصة في ضوء الحاجة للعمل، حتى لا يتوقفوا طويلا في انتظار الفرص الوظيفية وقد لا تأتي أو تأتيهم متأخرة.
بقي لي نقطة أخيرة بودي أن أنوه عنها هنا، وهي ونحن في مستهل عام دراسي جديد، هناك محطة مهمة يجب التوقف عندها، فبعيد التأكد من اكتمال جوانب العملية التعليمية، كم هو جيد لو طرحت «ورقة عمل» في كل مدرسة، وداخل كل «إدارة تعليمية» يكون عنوانها (إيجابيات وسلبيات العام الدراسي الماضي)، ورقة عمل تهدف إلى أن تحدد مسار العام الجديد، من خلال الاستفادة من تجربة العام السابق، على أن تفعل هذه الورقة عبر «ورش عمل» تتضمن محاور تطرح للنقاش، ومن ثم تتم مدارسة نتائجها، وأنا على يقين أن نتائجها ستصنع «القيمة المضافة والعلامة الفارقة» لنجاح العام الدراسي الجديد، إذا ما تمت الاستفادة من نتائجها بالوقوف على عوامل النجاح التي صنعت إيجابية عام مضى لتعزيزها في العام الجديد، وتلافي أخطاء العام المنصرم.

*نقلاً عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.