عقارات الدولة والتحول إلى أذرع سيادية

صالح السلطان

نشر في: آخر تحديث:

صدر الأسبوع الماضي قرار مجلس الوزراء بتحويل مصلحة أملاك الدولة في وزارة المالية إلى هيئة عامة باسم الهيئة العامة لعقارات الدولة. تهدف الهيئة - حسب إفادة وزير المالية محمد الجدعان - إلى تنظيم ما يتصل بشؤون عقارات الدولة، وحمايتها، والمحافظة عليها، وتوحيد ورسم السياسات المتعلقة بها ومتابعة تطبيق الأنظمة والتعليمات الخاصة بشؤون عقارات الدولة. كما تهدف إلى تطوير قاعدة بيانات إلكترونية متكاملة مع نظام معلومات جغرافية خاصة بعقارات الدولة. ما هدف الأهداف؟ أي ما الذي تصب فيه الأهداف السابقة؟ يتلخص في استثمارها بالشكل الأمثل. وهذا ما ينسجم ويدعم تحقيق "رؤية المملكة 2030". مطلوب أن تتحول عقارات الدولة إلى ذراع ذات استقلالية وسيادية بما يمكنها أولا من دعم ميزانية الدولة بصورة أقوى كثيرا مما مضى. دعم الميزانية يأتي بصورة مباشرة من عوائد، ويأتي بصورة غير مباشرة من تقليل الضغوط على الإنفاق العام. وفي إطار تخفيف الضغوط على الإنفاق العام جاء مقترح المساهمة التمويلية في تملك فئة كبيرة من المواطنين للمساكن، خارج إطار الإنفاق المعتاد في الميزانية. السؤال التالي: كيف؟ الخطوة الأولى بتقليل تكلفة الفرصة قدر الإمكان. وهذا مطلب فهم تكلفة الفرصة، بما يساعد على الجواب. ولتسهيل الفهم أضرب المثال التالي: لنفترض وجود عقار فيه أماكن للإيجار. ولنفترض أنه يؤجر كل مكان "شقة أو محل" فيه بمبلغ قدره 30 ألف ريال سنويا. ولنفترض أن صاحب العقار استعمل مكانين لنقل محلين اثنين لأعمال تخصه يكفيها حقيقة محل واحد بما يحقق له الخدمة نفسها التي يحتاج إليها. في هذه الحالة لنا أن نقول إن صاحب العقار خسر 30 ألف ريال فرصة ضائعة. ما يشبه المثال السابق موجود في بعض عقارات الدولة المشغولة. هناك مبالغة في مساحات مباني بعض الأجهزة الحكومية. مساحات تزيد على الحاجة. وهناك مشكلة ثانية. لدينا هدر ومبالغة واضحة في مساحات الأراضي المخصصة لكثير من أجهزة الدولة. والأمثلة كثيرة. باختصار، مطلوب الحد من الهدر. إن تحويل المصلحة إلى هيئة خطوة ضمن خطوات كثيرة في رفع كفاءة الأجهزة الحكومية ماليا وإداريا. ومن نتائج ذلك الحد من الهدر في المال العام. كما أنه مطلوب الحد من التعدي على عقارات الدولة. وهذه قضية من صلب اهتمامات "رؤية 2030"، وكانت سببا أساسيا في تحويل المصلحة إلى هيئة. ونتطلع إلى صدور تشريعات وتنظيمات أوضح وأقوى في حماية عقارات الدولة، واستغلالها. أما مساهمتها في دعم الإسكان، فمجال مفتوح كبير. أسهم صندوق التنمية العقارية منذ إنشائه وعبر العقود الماضية وإلى عهد قريب في تملك أعداد كبيرة من المواطنين لمساكنهم. نسبة كبيرة من هؤلاء من ذوي الدخول المنخفضة، لكن بساطة وسهولة إجراءات الصندوق في السداد مقرونة بإعفاءات ساعدت مواطنين من ذوي ملاءة مالية ضعيفة على الاستفادة من الصندوق. والنتيجة أنهم بنوا وتملكوا فللا ما كان لهم أن يتملكوها من دون الصندوق. المعضلة الكبرى أن طريقة الصندوق القديمة لا تقبل الاستمرار بمستوى المنافع نفسها. هذه حقيقة وليست وجهة نظر. لو استمر الصندوق كما كان سابقا لتكونت طوابير طويلة وستكبر أكثر مع زيادة السكان مع الوقت. وتطبيقا، لو كان التقدم متاحا الآن، فلن يصل المتقدم الدور إلا بعد أكثر من 20 عاما، ما يفقده ميزته. وقد كتبت مقالا يوضح هذه النقطة بعنوان "طريقة الصندوق القديمة لا تقبل الاستمرار"، نشر في 26 مارس من هذا العام. هل من حل بديل لكنه يشبه في أثره ومنفعته طريقة الصندوق القديمة؟ هذا أمر مهم، لأن الدولة - وفقها الله - توفر تعليما وخدمات صحية للمواطنين بالمجان. وبالإمكان أيضا توفير جزء من تكلفة السكن على شكل منحة لذوي الدخول الأقل. كيف؟ وضع برنامج لصرف هبة أو منحة تراوح مثلا بين 40 و70 ألف ريال ضمن ترتيبات بين ثلاثة أطراف: هيئة عقارات الدولة والصندوق العقاري وحساب مواطن. وتصرف بضوابط طبعا حتى لا يساء الاستعمال، لفئات من المواطنين دخولهم ليست عالية. ولو وضع أيضا برنامج ادخار إسكاني لأمكن من خلال البرنامجين أن يتوافر لغالبية الشباب العاملين الذين أمضى الواحد منهم عشر سنوات أو أكثر في وظيفة أن يتوافر للواحد منهم مال من البرنامجين يتجاوز 100 ألف ريال. هذا مبلغ يسهل تملك سكن ولو كان مرحليا، سواء بالبناء الذاتي أو الشراء. كتبت شيئا من التفصيل حول تمويل النقاط السابقة في مقال بعنوان "تمويل الإسكان: مقترحات لحلحلة المشكلة"، نشر في 9 أبريل من العام الماضي 2017. وبالله التوفيق.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.