.
.
.
.

جميل راتب

هناء حجازي

نشر في: آخر تحديث:

رحيل الجميل جميل راتب جعلني أبحث في حياته، على الرغم من أنني لا أتذكر عملاً كان فيه البطل الأوحد، لكنه كان دائماً بطلاً في نظري، وجوده في أي عمل فني يمنح هذا العمل معنى آخر وبعداً آخر.

هذا الممثل الأرستقراطي الذي تحدى أسرته التي كانت تعتبر الفن عملاً مهيناً وغير مقبول، خالف إرادتهم حين أرسلوه إلى فرنسا كي يدرس القانون ويعود محامياً، فتحول إلى دراسة الفن، وعاش في فرنسا كممثل يمارس ما يحب معتمداً على نفسه بعيداً عن ثروة أسرته، وكي يستطيع إكمال دراسة الفن في المعهد الخاص اضطر لأن يعمل في كل ما يتيح له أن يجمع المال، اشتغل «كومبارس، جرسون وحتى شيال». وبعد عودته إلى مصر في سن 48 سنة استطاع أن يفرض احترامه من خلال الأعمال التي قدمها وأن يجعلنا نحترم العمل الفني الذي يشارك فيه وندرك كيف يمكن للفن أن يغير مفاهيم كثيرة وأن يرتقي بالإنسان ويمنحه تصوراً عميقاً للحياة والإنسانية.

مشاهدة أعماله والطريقة التي يتحدث بها تجعلك تدرك من اللحظة الأولى أنه فنان مثقف، لديه رسالة يعي تماماً ماهيتها، ويحاول إيصالها عن طريق اختيار دقيق للأعمال التي يشارك فيها.

يحب الفن ولا يعتبره وسيلة للشهرة والنجومية، ورسالته للأجيال الجديدة من الفنانين أن يسلكوا طريق الفن من أجل خدمة الفن وليس من أجل أن يخدمهم الفن، هذا هو الفنان الحقيقي في نظره، لأنك حين تجيد ما تقدم، تأتي لك الشهرة صاغرة، بينما الشهرة قد تأتي بأبسط الطرق كأن تقدم عملاً تلفزيونياً يراه كل الناس لكنه لا يقدم فناً. تصبح عندها مشهوراً، لكن هل يمكن تسميتك فناناً وقتها.

نشأ رافضاً لطبقته، لكنه فخور أن أسرة أمه تضم اسم هدى شعراوي. هذا الفكر الحر إذاً كان موجوداً في جينات الأسرة وانتقل إليه. في فرنسا عرف طبقات المجتمع الدنيا التي اختلط بها من الداخل لأنه كان يعمل معهم ويعيش حياتهم. صقلت تلك الخبرة أفكاره التي عاش مؤمناً بها والتي حاول أن ينقلها في أعماله.

لم يكن مهتماً بتقديم الشخصية المحبوبة، قدم أدوار الشر، في أفلام ذات مضمون يؤمن به. وبعكس الممثلين المصريين الذين بدؤوا حياتهم في السينما المصرية ثم انطلقوا للعالمية، بدأ هو في السينما والمسرح الفرنسيين ثم انتقل إلى مصر.

أحب تقديم الأدوار البعيدة عن شخصيته في الواقع؛ لأنه كان يستمتع بدراسة الشخصية التي يمثلها، لذلك فضل دوره كتاجر مخدرات في فيلم الكيف على دوره كمثقف أرستقراطي في مسلسل الراية البيضا.

بالنسبة لي كان جميلاً وممتعاً في جميع أدواره.

رحل ممثل مثقف آخر، وهم قليل بالأساس.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.