المجتمع بين التغيُّر والتغيير

خالد الوحيمد
خالد الوحيمد
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

عندما تتأصل الأيديولوجية على قواعد فكرية متينة؛ قد تحقق أهدافها، وذلك بما يتناسب مع بيئتها. والأيديولوجيات بطبيعتها محفزة للناس، وتشعرهم بمستقبل مزدهر على خلاف الواقع الذي يعيشونه في حاضرهم. فالطبيعة البشرية تخشى المستقبل، كما تشمئز من ماضيها إن كان مؤلماً. لهذا دائماً صُناع التغيير يفضلون ربط العقيدة الفكرية بالاقتصاد والرفاهية والأحلام المستقبلية.

وهذا يقودنا إلى التساؤل عن طبيعة تلك الأيديولوجيات، هل كانت بظاهرتِها عقيدة فكرية فقط دون الولوج إلى ماهيتها أو هويتها، وإن كانت في باطنها الحقيقي تطوير الاقتصاد، ونقل المجتمع من حالٍ إلى حالٍ أفضل، ثم السيطرة الكاملة عليه.

وثمة تساؤل: هل المطلوب منها تطوير ذاتها وفق المتغيرات الاجتماعية، فالإنسان مرهون على الطبيعة وفق تقلباتها الكونية، وليس كما يشاع بأن إرادة الإنسان حرة، وهو بذاته قادر على التغيُّر. فالإنسان لديه القدرة على التغيير فقط، وإنما التغيُّر بمجمله فوق إرادته العقلية، فالتغير محكوم بالنواميس الكونية من حدوث كوارث طبيعية كالزلازل والأمراض البيولوجية والزيادة المطردة في تعداد السكان أو نقصانه.. إلخ من أمور خارجة عن إرادة الناس.

فجميع الأيديولوجيات عبر التاريخ فشلت في تطويع البشرية بشكلٍ كامل، وإنما نجحت جزيئاً وبشكل مؤقت كالشيوعية والنازية، بحيث لا وجود لهاتين النظريتين في الوقت الحالي، خاصة النازية التي اختفت تماماً، وإن كانت موجودة فهي شكلية، ويدعي أصحابها أنهم قاموا بتطويرها.

السبب يعود إلى أنها لا تحمل طابعاً دينياً، وإن كانت تحمل بعض البذور الروحانية من طقوس وسلوكات أشبه بالتصوف الديني الذي يقام في المعابد، فهذا نقول عنه تأثر بالخلفية الدينية السابقة.

ولكن أخطر الأيديولوجيات تلك التي في ظاهرها دينية. فالدين عبادة روحانية وإيمانية تتعلق بالجانب الميتافيزيقي أكثر من كونها طبيعية؛ أي تتطلب مرضاة الله كما في الديانات السماوية أو الآلهة في الديانات الأخرى ذات الطابع الفلسفي.

فهذه الأيديولوجيات المتطرفة خرجت عن كينونتها الحقيقية، وأرادت التغيُّر عن المفهوم المطبوع، الذي جاءت من أجله الأديان كضبط الأخلاق البشرية والخلاص والنجاة لما بعد الموت. فمفهوم الخلاص والنجاة لدى المتطرفين تم ربطه بالحياة، وأن الفرد في هذه الجماعة مسؤول مسؤولية كاملة عما يجنيه المجتمع، وتقع في عاتقه هذه المهمة؛ أي تحميل الفرد فوق طاقته المعتادة.

نأخذ مثالا بسيطا عن حالة جماعة الإخوان المسلمين وفروعها كالصحوة وداعش وغيرهما، هي في حقيقة أصلها جماعات مؤدلجة بالكامل، هدفها السيطرة على المجتمعات، ولا يمكن لأي عضوٍ التخلص منها، والسبب يعود إلى أنها أُلبست ثياب الدين، لهذا نجد رغم كل الإخفاقات التاريخية، وفشلها في الوصول إلى السلطة منذ ظهورها، نجدها متماسكة ومستمرة؛ لأن معظم أفرادها مغيبون عن حقيقتها؛ ظناً منهم أنها تحمل في جيناتها الدين الحقيقي.

لهذا نجدها تدافع وتنافح بضراوة، وتبرر عملياتها الإرهابية، وأن هذا الجُرم واجب ما دام كونه متصلاً بالدين.


*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.