لا إنكار في الخلافيات والكل على خير

عبدالله فدعق
عبدالله فدعق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
3 دقائق للقراءة

للخلاف ضوابط اعتنى بها كثير من العلماء، فمنهم من حصرها في ست مسائل، ومنهم من حصرها في ثماني، ومنهم من أوصلها إلى ستة عشر سببا؛ ولم يكن الخلاف بينهم يفضي إلى نزاع، أو إلى تعصب، وما كان اختلافهم ليخرجهم عن التزام الأدب في تناول المسائل الخلافية التي بينهم، بل لم يمنعهم أبدا هذا، من تجويز تقليد مذهب آخر، وربما الانتقال من مذهب إلى مذهب.

من أهم الضوابط والقواعد المتعلقة بما سبق قاعدة: «عدم الإنكار في المختلف فيه»، ومعناها أن لا يعاتب الشخص شخصا آخرا، أو ينهاه عن العمل برأيه؛ بسبب أنه مخالف لما يراه، وهي قاعدة سار عليها جمهور الفقهاء، وذكر الإمام أحمد أنه يُنْكَر المختلف فيه، وفرَّق الشيخان ابن تيمية وابن القيم بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد، وبالنظر والتحقيق نجد أن الخلاف لفظي، لأن المراد بمسائل الخلاف عند الجمهور هي تلك المسائل التي خفيت دلالتها، إما لعدم الإجماع عليها، أو لعدم ورود دليل فيها أصلا، وكل مسألة لم يرد فيها نص قاطع في ثبوته تُعَدُّ خلافية، إلا إذا انعقد الإجماع على تعيين أحد المعاني المحتملة.

قاعدة: «عدم الإنكار في المختلف فيه»، قاعدة منطبقة تماما على بعض المسائل الكلامية وأكثر المسائل الفقهية، ومعلوم أن المسائل المنصوص عليها نصّا قطعيّا ثبوتا ودلالة، لا اختلاف فيها، وأن الاختلاف كان ولا يزال حول المسائل غير المنصوص عليها مطلقا، والمسائل المنصوص عليها نصّا ظنيّا ثبوتا ودلالة، أو نصّا ظنيّا ثبوتًا دون الدلالة أو العكس، ولا يلتفت إلى قول في مسألة ليس عليه دليل، أو عليه دليل ليس قويّا.

وفي المسائل الفقهية الخلافية، ليس أحد القولين بأولى من الآخر؛ لأن المسائل الفقهية لا تعدو أن تكون من قبيل الظنيّات، والظنون قابلة للتعارض، ولا ترجيح بين ظن وآخر، كما أنه لا ترجيح في المختلف الذي يقع بين المذاهب لاختلاف الأدلة، وإنما يجب إنكار فعل يخالف المجمع عليه، لأنه لا دليل عليه، وما اختلف في تحريمه فلا يجب إنكاره لاحتمال أن الفاعل قلّد من يرى حِلّه، أو أنه قد جهل تحريمه، كما أن من شروط الإنكار ألا يؤدي إلى فتنة، فإن أدى إلى ذلك لم يجب، بل ربما كان حراما.

أختم بخلاف جميل قديم بين السابقين، في أنه: هل كل مجتهد مصيب، أم أن المصيب واحد، والآخر مخطئ، ولا إثم عليه لعذره؟ ومرد خلافهم هو فهمهم لحديثه صلى الله عليه وسلم «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»، فمن قائل للمجتهد أجر ولولا إصابته لم يكن له أجر، ومن قائل لو كان مصيبا لم يسمه مخطئا، وحصل له الأجر على تعبه في الاجتهاد، وبعضهم ذكر أن التصويب إنما هو في الفروع، أما أصول التوحيد فالمصيب فيها واحد، وقد ذهب بعضهم إلى تصويب الاجتهاد حتى في أصول الدين.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط