تجمّع البحر الأحمر وخليج عدن: صناعة الأمن والاستثمار

د.عبدالرحمن الجديع
د.عبدالرحمن الجديع
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

ما انفكّت الظروف والمتغيرات التي تعصف بالشرق الأوسط عموماً، والعالم العربي على وجه الخصوص، تدفع بالحاجة الماسة إلى تعزيز الأمن والاستقرار والتجارة والاستثمار. ولعل هذه الأسباب مجتمعة كانت وراء فكرة إنشاء تجمع يضم الدول العربية المتشاطئة على البحر الأحمر وخليج عدن، وهي المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وجمهورية جيبوتي، وجمهورية الصومال، وجمهورية السودان، والجمهورية اليمنية، والمملكة الأردنية الهاشمية، والذي تم الإعلان عنه في الرياض بتاريخ 12 ديسمبر 2018.‬

فكرة هذا التجمع انبثقت بناء على دعوة المملكة العربية السعودية، وإيماناً منها بأهمية تعزيز عرى الروابط بين هذه الدول، وهي تعكس، فضلاً عن ذلك، نظرة شمولية تقوم على توثيق التعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والأمنية‪.‬

ومن شأن هذا المشروع، كما قدّر خبراء وسياسيون، المساهمة في حماية التجارة العالمية وحركة الملاحة الدولية، وتعزيز الأمن والاستثمار والتنمية لدول الحوض. كما أنه يأتي في إطار المسؤولية التي تقع على عاتق هذه الدول لتوفير الأمن لخليج عدن الذي كان ولا يزال جسراً للتواصل بين الحضارات والثقافات.

ويمتاز هذا التجمع عن غيره من التجمعات الأخرى في المنطقة بأنّ جميع الدول المنخرطة فيه أعضاء في جامعة الدول العربية، وبالتالي من البديهي القول إنه يأتي في إطار تدعيم العمل العربي المشترك، وانسجاماً مع ما ورد في ميثاق الجامعة العربية في مادته التاسعة التي تنص على "أنّ الدول الجامعة العربية، الراغبة فيما بينها في تعاون أوثق وروابط أقوى مما نص عليه الميثاق، أن تعقد بينها من الاتفاقات ما تشاء لتحقيق هذه الأغراض والمعاهدات والاتفاقات التي سبق وأن عقدتها، أو التي تعقدها فيما بعد دول من دول الجامعة مع أي دولة أخرى".

ويُفهم من ذلك أنّ ميثاق الجامعة قد أجاز، أساساً، للدول العربية صياغة تجمعات إقليمية لتوثيق التعاون، بالإضافة الى أنّ البيان الختامي لوزراء خارجية هذا التجمع، جدّد تأكيده بأنّ هذا التجمع يسهم في تعزيز مسيرة البناء والتنمية والتعاون الاقتصادي فيما بين تلك الدول، خصوصاً بالنظر للمشاريع التنموية الضخمة التي تقيمها المملكة على ضفاف البحر الأحمر؛ مثل مدينة نيوم الطموحة التي سيكون لها، بلا ريب، انعكاساتها الإيجابية على اقتصاديات هذه الدول، والمنطقة بأكملها. كما أنّ التركيز على أهمية أمن منطقة البحر الحمر والممرات المائية يخدم المصالح الوطنية والإقليمية لدول المنطقة، علاوة على أنّ الربط بين أمن البحر الأحمر ومنطقة الخليج العربي جزءٌ لا يتجزأ من الاستقرار الدولي‪ .‬

وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ المنطقة شهدت في السنوات الماضية محاولات ائتلافية من بعض الدول، فشل بعضها مثل مجلس التعاون العربي، وتجمع الدول الثماني، وإعلان دمشق، فيما تكلل بعضها الآخر بالنجاح، مثل مجلس التعاون الخليجي. وسعت دول غير عربية إلى تقوية نفوذها عبر خلق منظمات وكيانات في المنطقة، إذ عملت تركيا على إنشاء منظمة تضم دول شرق أوروبا تحت مظلة اقتصادية مسمّاها "منظمة دول البحر الأسود" التي تضم ألبانيا، أذربيجان، أرمينيا، بلغاريا، جورجيا، ملدافيا، رومانيا، روسيا، أوكرانيا، اليونان، إضافة إلى تركيا‪ .‬

كما سعت إيران إلى التقارب مع طاجيكستان، نظراً للروابط التاريخية والثقافية والحضارية بينهما، حيث نادت إيران، كذلك، بإنشاء منظمة بحر قزوين‪ Caspian Sea organization ‬ التي تضم الدول المطلة عليه، كما أنّ إيران الخيمينية عملت على تفعيل وإحياء منظمة الإيكو‪ ECO ‬التي قامت بعد انهيار حلف بغداد "السنتو" وجمعت الدول الأعضاء تركيا وإيران وباكستان في إطار ذي طابع اقتصادي، وسرعان ما ركزت باكستان على هذه المنظمة وتحويلها إلى منظمة ذات أبعاد سياسية لكي يمكن التعامل مع المشاكل الإقليمية التي تعنيها كقضية كشمير ومشاكل أفغانستنان، كما أنّ إيران رحبت بتوجه باكستان، وأيدت إعطاء الطابع السياسي للمنظمة، سعياً وراء تحويلها إلى حلف يستطيع التعامل مع القضايا الإقليمية ويشكل محوراً إقليمياً فاعلاً‪.‬

وجاهة تبلور فكرة قيام كيان أو تجمع البحر الأحمر وخليج عدن، تعكس بُعد نظر، فهي تقرأ بعمق التطورات المستقبلية لما قد تشهده المنطقة من متغيرات تدفع بالدول لإيجاد آليات جديدة لمجابهة التحديات الإقليمية، وتوسيع شبكة التعاون لجبه الأخطار، فضلاً عما تستبطنه فكرة التجمع من تعزيز العلاقات بين الدول التي تسعى إلى بناء السلام وتعميم مبادرات التعاون الذي يصب في خدمة البشرية، ويمنح إنسان هذه المنطقة المأهولة بالتحديات والصراعات، فرصة ليتنفس هواء الأمن والطمأنينة والرخاء.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط