قهوة وكتاب

فضيلة الفاروق
فضيلة الفاروق
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
دقيقتان للقراءة

اشتهر صالون مي زيادة الأدبي عربياً، ولم يبلغ أي صالون شهرته رغم انتشار الظاهرة في إحدى الحقبات التاريخية في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، منتقلة إلى المشرق من العاصمة الفرنسية المعروفة منذ منتصف القرن السادس عشر بصالوناتها الأدبية. لكن هذه المجالس تراجعت إلى أن اختفت تماماً لأسباب كثيرة يضيق المقام لذكرها، إلى أن بُعثت مرة أخرى في زمن شبكات التواصل الاجتماعي عبر مقاهٍ جمعت بين الثقافة والقهوة.

ويبدو أنه يكفي أن يتشجع شخص ويطلق فكرته الإبداعية، ليصاب غيره بعدواها، لأن هذا ما حدث في بيئة خامدة، مثل مدينة برج بوعريريج الجزائرية، حين قرّر الكاتب عبدالرزاق بوكبة أن يغادر العاصمة، عائداً إليها لأنّها مسقط رأسه.

لم تردعه تخويفات زملاء الميدان، ورفاق القلم، على أنّ المدينة قاحلة، وخاوية ثقافياً، ولا تناسب أفكاره الحالمة، فخرج لاكتشاف المدينة المنسية، حتى وجد المكان المناسب لحلمه - قلعة المقراني العتيقة، بكل ما تحمله من إرث تاريخي ثقافي كبير - وقام بتنظيفه مع شلّة من الحالمين، وهُيِّئ لاستقبال الجمهور.

ملئت المدينة بالإعلانات لإطلاق المشروع، واستقبل القادمين من بعيد في بيته، وتكفّل بإطعامهم وإكرامهم، بإمكاناته القليلة.
وحدثت المفاجأة حين امتلأ المكان بالزائرين، ومحبي الأدب، والفن، خرجوا من عتمة فرضت عليهم على مدى سنوات طويلة، مبهورين بالشمس المشرقة على البرج..

لم يكتف عبدالرزّاق المعروف بحبه الجارف للحركة حاملاً ريشته أينما حلّ، بمقهى البرج، بل شجع كل جهة أصيبت بلوثته، فقطع المسافات براً ليشرف بنفسه على زرع فيروس الإبداع في كل المدن الداخلية المنسية من طرف المسؤولين، هكذا قطع آلاف الكيلومترات من مدينة إلى مدينة، حتى بلغ أدرار، المدينة الصحراوية المحاطة بالكثبان والكثير من الإهمال، وأيضاً تحدّى فكرة غياب الجمهور، وخمود الناس بسبب قسوة المناخ، كان حضوره وقطعه مسافة 1500 كيلومتر برًّا، سبباً كافياً لتدفق الجمهور على المكان لرؤية هذا البوهيمي المسكون بجنون الأدب والشعر والموسيقى..
حقق نجاحاً غير متوقّع، وأثبت مرة أخرى أن الثقافة تمشي، والمقهى الثقافي يمشي - على رأي إحدى بناته - وأن فيروس الإبداع معدٍ جدًّا، وأسرع مما يتوقعه البعض، وأكثر تأثيراً مما روّج له المحبطون.

نحن هنا لا نتحدث عن مقهى ثقافي في عاصمة مثل بيروت، أو القاهرة ، لها تقاليدها الثقافية، ولا دبي أو أي مدينة خليجية أخرى لها من الإمكانات ما يسمح لاحتضان الثقافة والترويج لها، نحن نتحدث عن مدن قاحلة ثقافياً، نجحت فيها المغامرة الثقافية، وأثبتت أن كل شيء ممكن، بقليل من الإرادة، والإخلاص.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط