.
.
.
.

ظاهرة الإسلاموفوبيا والغرب

د.عبدالرحمن الجديع

نشر في: آخر تحديث:

يشهد العالم ظواهر غير إيجابية وابتعادا عن القيم السامية للأديان السماوية . بل إنّ هناك كثيرا من الافتراءات الموجهة ضدّ الإسلام والمسلمين خصوصا، في بعض الدول الغربية عموما، وفي اوروبا على وجه التحديد.

ولعل موجة التطرف الوطني التي شهدتها بعض الدول الأوروبية وبروز احزاب يمينية التوجه في العقدين الآخرين يثيران القلق والاهتمام، لما يُلاحَظ من ممارسات ضد الأجانب في هذه الدول وتعدٍّ عليهم. هذه الممارسات تتَّسم بالعنصرية وتناهض وجود الاجانب بشكل عام، والمسلمين في الدول الأوروبية على وجه التحديد. ولعل افضل مثال على ذلك ما تقوم به الحركة المعروفة باسم pegida، التي نشأت في ألمانيا وانتشرت في معظم الدول الأوروبية، والتي تتبنّى في أجندتها مناهضة جميع الأجانب، ولا سيّما بعد تدفق امواج اللاجئين من السوريين الذين أمسَوا بين سندان الاستبداد في بلادهم و مطرقة الممارسات العنصرية في أوروبا.
ويعاني المهاجرون المسلمون من هذه الممارسات العنصرية بسبب انتشار ظاهرة إسلاموفوبيا، وهي ظاهرة خَطِرة تعني الخوف من الإسلام، وتربط بين الإسلام، خطأً، والإرهاب. ان هذا الخلط يعود لعدة أسباب، منها جهل المجتمعات الأوروبية، وخاصة فئة الشباب فيها، بحقيقة الإسلام. ومنها اقتصادية، اذ يرون في الأجانب منافسة لهم على فرص العمل. ومنها اجتماعية، لاختلاف القيم والعادات والمنطلقات المجتمعية. ومنها ثقافية، كالانطباع السائد بان المسمليمن لا يقيمون لحقوق الانسان وزناً. هذه الانطباعات المشوَّهة عن العقيدة الإسلامية، والزاعمة انها عقيدة تحثّ على العنف وكره الآخر المختلف، هي من الامور التي تحمل في مضامينها صورة نمطية وخاطئة، اذ ان الاسلام كرَّم بني آدم، إذ قال الحق: "لقد كرَّمنا بني آدم."

لقد عزَّز هذه الانطباعاتِ الخاطئة بعضُ الأحداث الإرهابية، وفي طليعتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ الإجراميّة التي وقعَتْ في مدينة نيويورك، والتي ما زالتْ آثارُها عميقة في نفوس الشعب الأمريكي. ومن تلك الأحداث الإرهابية قيام بعض أفراد الجاليات المقيمة في الغرب بارتكاب أعمال إرهابية في مدن وعواصم أوروبية. أضفْ الى ذلك ما ابتُلي به الشرق الأوسط من منظمات إرهابية تُنسب الى الإسلام كـ"داعش" و"القاعدة" و"النصرة" وما لف لفها، وهي بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الإسلامي السمحة. ان ما تقترفه هذه القوى الظلامية من أعمال ارهابية تنعكس سلبا على صورة المسلمين، وتمعن في تكريس الصورة النمطية في الفكر الغربي، وتربط بين المسلمين والإرهاب.

ولعله من نافلة القول إن احداث التاريخ تعيد نفسها. فلقد سادت مثل تلك المشاعر العنصرية في أوساط المجتمعات والقوى الغربية و بعص الدول الأوروبية فيما مضى، وكان من المؤمَّل انها زالت مع تطور المفاهيم فكرا قيما وحضارة، وأنّ مثلَ هذه الممارسات أمستْ من ركام الماضي وثلاثينيات القرن المنصرم، سواء تعلقت بمعاملة الرجل الابيض للسود او تجارة الرقيق او مناهضة السامية كما حصل لليهود في الحقبة النازية الكريهة، حين تمّت ابادتهم في المعاقل والمحارق بطريقة بشعة، واضطُهِدوا اضطهادا مخالفا لكافة القيم الانسانية والتعاليم الدينية.

وبالنظر لما يحصل في المجتمعات الأوروبية في هذه الأيام من وقائع وممارسات، فان التحرك غدا ضرورةً للتصدي لهذه الأفكار المتطرفة والممارسات ضد المسلمين سياسيا وثقافيا واجتماعيا. إنّ إفهام الأوروبيّين، والغربيّين عموما، ان وجود المسلمين واللاجئين بين ظهرانيهم إثراءٌ لمجتمعاتهم الديمقراطية، وأنّ قيام الجاليات بواجباتهم الوطنية والأخلاقية في مجتمعاتهم الجديدة، سواء من حيث المشاركة في البناء التنموي او التطوع في أزمات الكوارث او ضبط سلوكيات الشباب المسلم، امر له ما يبرره، ويسهم في تحسين الصورة، وينعكس إيجاباً على عملية التعايش.

ان مسؤولية حماية الأجانب تتحمّلها بالطبع الحكومات الأوروبية، وذلك بسن القوانين التي تجرّم ظواهر الاٍرهاب والتشدد والتطرف التي تُرتكب بحقهم وتستفزّ مشاعرهم أو تعتدي عليهم او على أماكن عباداتهم كالمساجد؛ وذلك من منطلق ان مثل هذه الممارسات تخالف انظمة البلاد خصوصا، وان هؤلاء الجانب أمسوا مواطنين لهذه الدول ولهم حقوق وعليهم واجبات، فضلاً عن أن مثل تلك التصرفات المشينة تتنافى وثقافة الغرب الديمقراطية وحقوق الانسان والمنطلقات الحضارية.

كما يقع على عاتق الدول العربية والإسلامية مهمة القيام بالتواصل الثقافي والاجتماعي وتنظيم الفعاليات وإقامة الندوات الموجِّهة للشباب الغربي في امريكا وأوروبا. ان مثل هذه اللقاءات تسهم في تعميق الفهم الصحيح وابراز الجهود المطلوبة للرقي بأَبعاد الحوار والانفتاح واشاعة ثقافة السلام. وهذا ما كان للمملكة العربية السعودية دورٌ كبيرٌ فيه، لإيمانها الراسخ بتعزيز فكرة التواصل والحوار واهمية التنوع الثقافي والحضاري. والمملكة ترفض التطرف والإرهاب وكافة أشكال العنصرية البغيضة انطلاقا من قول الحق: "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا." ان هذه اللقاءات تُعد ضرورة لكبح التطرف ودفع الخوف غير المبرر من الإسلام -إسلاموفوبيا - في الغرب. وهي مهمة أيضا بالنسبة للتمسك بالقيم الانسانية ونشر ثقافة السلام ورفض مبدإ صراع الحضارات.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.