«إيقاف الخدمات».. الموت الرحيم

جمال بنون
جمال بنون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
5 دقائق للقراءة

من جديد يطفو على السطح واحد من أهم الموضوعات المثيرة للجدل، وهو إيجاد البدائل في معاقبة الأفراد الدائنين الذين عليهم مطالبات مالية، سواء لبنوك أم أشخاص، بدلاً من إيقاف الخدمات الذي ينفّذ حالياً ضد الدائنين.


هذا الموضوع من وقت إلى آخر يظهر على السطح ثم يختفي، وهذه المرة فتح من جديد تحت «قبة الشورى»، إذ سيصوت المجلس على توصية للعضو عبد الله السفياني ومعه مجموعة من أعضاء المجلس في لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية، وهي المطالبة بإيجاد لجان في محاكم التنفيذ مهمتها دراسة ومعالجة الأضرار الواقعة على المنفذ عليهم بما يضمن الحقوق ويمنع الضرر المتعدي، والتحقق من تطبيق ضوابط إيقاف الخدمات الحكومية الصادرة بالتعميم الخاص بذلك.

وحذّر السفياني من التوسع الكبير في استخدام المادة 46 في قضاء التنفيذ وإيقاف الخدمات، مطالباً بإيجاد حلول جذرية للمشكلات الناتجة عن تطبيق نظام التنفيذ، ورفع الضرر المتعدي على المنفذ عليهم وعلى أسرهم، مشيداً بتعميم لوزير العدل في هذا الشأن، إلا أنّه لم يعمل به بالشكل المطلوب والجذري، فيما طالبت عضو مجلس الشورى إقبال درندري بمراجعة آليات إيقاف الخدمات الحكومية والبنكية وكيفية تطبيقها، بحيث تفرق بين المعسرين والمماطلين، ولا تمس الجوانب الأساسية لحياة الفرد وأسرته، وأن تحدد جهة تتولى المراجعة الدورية لضوابط وإجراءات التوقيف، والتحقق من قانونية مستندات التداين، والعمل على دراسة شكاوى التظلم وأسباب التعثر في سداد المديونيات ومعالجتها، والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة في هذا الشأن، وتضيف الدرندري أن إيقاف الخدمات الحكومية والبنكية أصبح إجراء متبعاً لدى المحاكم التنفيذية بالاتفاق مع الجهات ذات العلاقة، وذلك لمن لديه قضية ديون ولم يفِ بها لمعاقبة المماطلين في حقوق الغير، وهو بديل لسجن الشخص لإجباره على دفع الديون المستحقة عليه، وإرجاع الحقوق لذويها، وإطلاق سراحه عند الإعسار، وعلى رغم أن هذا الإجراء أفاد في ملاحقة المماطلين وإجبارهم على دفع الحقوق التي عليهم، إلا أن طريقة تطبيقه أضرت بمئات الآلاف من المواطنين المتعثرين أو المعسرين، نتيجة تطبيقه بشكل تعسفي وعلى الجميع ومن دون مراعاة ظروف المعسر وإعطائه مهلة كافية وبتدرج كما هو مفترض.

قرار «إيقاف الخدمات» هو واحد من القرارات القديمة التي تم إقرارها، ومن الممكن أن تتم إعادة النظر فيه مثل باقي الأنظمة والتعليمات، مع التطور الذي تعيشه السعودية في المجالات كافة، بالفعل موضوع إيقاف الخدمات يجب أن تعاد دراسته والنظر فيه، فبالله عليكم كيف يمكن لرجل أو شخص أن يسدد لبنك أو لأشخاص حقوقهم المالية وهو لا يستطيع أن يجدد هويته، ولا يستطيع أن يعمل، ولا يتعالج، ولا يشترى ولا يبيع، ولا يسافر وحساباته المصرفية أوقفت، تبقى فقط أن يسحبوا منه الهاتف الجوال ويمنعوا عنه استخدام الإنترنت والمشي على شوارع الحكومة، لتكتمل قصة المأساة التي يعيشها الشخص الذي أوقفت خدماته.

قبل أشهر طرح عضو مجلس الشورى القاضي في وزارة العدل الدكتور عيسى الغيث رأياً يستحق الالتفات إليه من خلال برنامج «مكس بزنس» على إذاعة «مكس إف إم»، فهو يقول إن أصحاب الحقوق من حقهم أن يطالبوا بحقهم، ويجب ألا نقف مستنكرين أمام هذه الأمور لأنها قضايا حقوقية، كما أن على المحاكم التنفيذية أن تعيد النظر في اللوائح التشريعية والتنظيمية، وتطبيق النظام يحتاج إلى فرزه بطريقة حكيمة متسامحة لمصلحة الطرفين، وحينما توقف الخدمات أنت لم تحقق مصلحة صاحب الحق الذي أوقفت خدماته من أجل هذا الغرض، ولم تترك هذا الموقوف من أجل السعي وجمع المال من أجل تحقيق هذا المطلب، وتتوقف جميع خدماتك لا شهادة ميلاد ولا شهادة وفاة، وحينما تراجع المحاكم يقولون لك إن الأمر غير صحيح والتعليمات واضحة، وحينما تراجع الأحوال المدنية يظهر أمام اسمك أن خدماتك موقفة، فلا يستطيع تنفيذ أي طلب، فتجد تناقضاً من قبل إدارات حكومية مختلفة، وهنا يقترح الغيث تشكيل لجنة مشتركة بين وزارة العدل والداخلية، لأن إيقاف الخدمات لا بد أن تكون له ثمرة وهو الضغط عليه من أجل أن يدفع، وبدلاً من أن تكون لديه مشكلة واحدة تصبح لديه مشاكل عدة، والأنظمة حينما وضعت وضعت من أجل المصلحة العامة والمصلحة المشتركة لجميع الأطراف.

بصراحة نتمنى طالما أنه فتح ملف «إيقاف الخدمات» ألا يعود إلى الأدراج من دون فائدة، نريده أن يمر إلى أقسام ولجان عدة، بما فيها لجنة حقوق الإنسان والجمعيات الخيرية والجهات الحكومية، فمن غير المعقول أن يسير الناس في الشارع وهم غير قادرين على إنجاز معاملاتهم أو مساعدة أنفسهم وهم «مشلولون»، وكلما تم البت بسرعة في هذا الموضوع كلما ساعدنا في إنقاذ الكثير من الأسر والأشخاص وأعدنا ترتيب المجتمع، فالمحاكم ووزارة الداخلية معنية بتوحيد الجهود وإعادة النظر واكتشاف البدائل، ومن المهم أن نبحث في تجارب دول أخرى، ولا أعرف إذا كانت هناك دول أخرى تطبق هذا النظام، ولعلنا نحتاج إلى تجارب دول ناجحة ودول متقدمة، وسيكون أفضل لو أننا خرجنا منفردين بحلول قد تستنسخها دول أخرى.

من التجارب الجميلة التي يمكن الاستفادة منها ما أقدمت عليه دولة الإمارات العربية المتحدة في مسألة الديون المتعثرة، من خلال إنشاء صندوق لمعالجة الديون بالتعاون مع سبعة مصارف وطنية، وتمكنت من إعفاء 1930 مواطناً إماراتياً من ديون متعثرة بقيمة 325 مليون درهم، والهدف من هذا الصندوق هو تحقيق الاستقرار الأسري للمواطنين، وتوفير سبل الراحة والرخاء، عبر تحقيق التنمية الاجتماعية لهم، وحفزهم على العمل والمشاركة في نهضة الوطن، ودفع عجلة التطوير والتقدم فيه، وكانت لجنة عليا قد تشكلت قبل أكثر من سبع سنوات (في 2012) قامت بتسوية أوضاع أربعة آلاف مقترض من أصل 6830 مواطناً، هذه التجربة قابلة للاستنساخ والاستفادة منها.

*نقلاً عن "الحياة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.