.
.
.
.

الصين قادمة بالإدارة

محمد الكثيري

نشر في: آخر تحديث:

في المقطع المتداول في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، والذي يصور طريقا يربط الصين بباكستان، لم يكن الملفت، من وجهة نظري، شكل الطريق، رغم جماله، أو خطورة بعض أجزاء الطريق، رغم كثرتها، لكن الأمر الأبرز كان إنهاء ذلك الطريق في مدة لا تتجاوز الثلاث سنوات. هذه الفترة الزمنية التي تم فيها إنهاء هذا المشروع الجبار تحتاج الكثير من التوقف والتحليل، لأنها قد تقود إلى الوقوف على الأسباب الحقيقية التي تقف خلف تقدم الصين في المجالات الاقتصادية والتقنية والصناعية التي لفتت أنظار العالم. إنهاء هذا المشروع في هذه المدة الوجيزة، مقارنة بحجمه وضخامته، يوضح، بما لا يدع مجالا للشك، القدرة الإدارية التي كانت تقف خلف إنجازه ومتابعته والإشراف عليه.

من الواضح أننا نقف أمام حالة إدارية تستحق الدراسة والتأمل، لا لنكتشف المنطلق الحقيقي الذي يقف خلف تطور الدول وتقدمها، بل لنعيد تأكيده وإبراز أهميته. يتحدث الكثير، بإعجاب، عن القفزة الاقتصادية التي حدثت في الصين، وكيف استطاع الاقتصاد الصيني أن يتقدم ليحتل الترتيب الثاني عالميا، ومرشح أن يتصدر المشهد العالمي ويحتل المرتبة الأولى قريبا. يركز المتابعون والمحللون على التغيرات السياسية والفكرية التي حدثت في الصين، والتي كانت السبب في إيجاد الأرضية المناسبة لانطلاق المارد الصيني، واحتلاله هذه المكانة الاقتصادية العالمية. لكن لا أحد يشير إلى التفوق الإداري الذي كان يقف خلف هذه النجاحات، وما أساليب التخطيط والمتابعة والكفاءة الإدارية التي من الواضح أنها "مربط الفرس" في كل تلك التغيرات والتحولات الصينية. هذا المشروع، الذي أشرنا إليه في بداية المقال، دلالة أكيدة على ما نتحدث عنه، لم يكن من الممكن أن ينجز عمل مثل هذا، حتى لو توفرت له الإرادة السياسية والإمكانات المادية والبشرية، دون إدارة كفؤة قادرة على القيام بدورها بالطريقة الصحيحة.

وقوف الإدارة وراء نجاح الكثير من الدول ليس أمرا جديدا، اليابان، بمواردها المحدودة، مقارنة بغيرها من الدول، كانت حالة يستشهد بها الكثير عند الحديث عن نجاحات الدول وكيف تلعب الإدارة الدور الأهم سابقة بذلك بقية العناصر الأخرى. سنغافورة، هي الحالة الثانية بعد اليابان، التي لفتت نظر العالم بنجاحاتها الاقتصادية، رغم محدودية مواردها الاقتصادية. قبل اليابان وسنغافورة وبعدهما، دول كثيرة كانت الإدارة هي المرتكز الرئيس والمحرك الأهم في نهضتها الصناعية، مما يؤكد أن أي دولة من دول العالم، بعيدا عن مواردها ومصادرها، قادرة على النجاح متى توفر لها الإدارة السليمة التي تدرك الأولويات، وتحسن اختيار الأشخاص، وتخطط، وتراقب، وتركز على الإنتاجية والكفاءة.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.