إلى وزير الثقافة، مع التحية
وزير الثقافة السعودي في مسؤولية جديدة لتحقيق فكرة الدولة الخلّاقة، المعنية بتقديم هذا البلد الشاسع في تنوعه وإرثه، إلى العالم، في الشكل الذي يليق، وجدير في دولة بمكانة السعودية التي رسخت أقدامها لاعباً أساسياً في تشكيلة الدول ذات القرار.
وحتى تدشين رؤية وزارة الثقافة 2030 في الـ28 من هذا الشهر، التي من المنتظر أن تسهم في نهضة حقيقية تنتشل الثقافة العربية في منبعها الأصيل من الدرك الأسفل من النسيان والتجاهل، إلى خانتها المستحقة في «رف» الحضارات التي قدمت في تاريخها ما يستحق الاحتفاء، فإن الأنظار تتجه صوب الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، الذي تقلد الوزارة المستحدثة تتقدمه نجاحاته المبهرة التي شدّت الملايين إلى محافظة العلا، تلك البقعة الجغرافية التي ظلت في حكم المغيبة، قبل أن يستطيع في فترة وجيزة تفكيك طلاسم معادلة إرادة الجودة التي استعصت على كثير من الطموحات.
وزارة للثقافة، يعني ذلك بدء العمل في المشروع الضخم لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي تحدث في أحد لقاءاته متحسراً على تاريخنا السعودي الغني، وافتقارنا إلى التعريف بأنفسنا، لقد كان دقيقاً جداً وهو يلمس الواقع قائلاً: «من غير المنطقي أن يأتي الزائر إلى السعودية -قبلة المسلمين- ولا يجد مركزاً أو متحفاً يثري ثقافته حول الإسلام، هذا دليل على الشح في الخدمات الثقافية التي نحتاجها في السعودية»! بناء عليه فإن الحمل الملقى على عاتق الوزارة الوليدة كبير جدا، حتى قبل أن يضاف إليه تطلعات المعنيين بالثقافة في شقها الأدبي والفكري الذين انتظروا طويلاً، وناضلوا كثيراً في مواجهة الغزو الثقافي العربي «الفوقي» الذي أغرق إمكاناتهم المحدودة، مع غياب دعمهم ورعايتهم، في ظل سيطرة التيارات المتأسلمة وسطوتها التي استباحت المخالف حتى أقصته من مشهد الإبداع.
الحديث عن الثقافة في السعودية ذو شجون، يأخذك في جانب منه إلى الآثار والخلافات التي تتجدد حولها، خاصة بعد أن اكتشفنا، نحن السعوديون قبل غيرنا، أننا قادرون على المنافسة في ساحة الأقوياء على مسرح العراقة، حين انقشعت غمّة المنع والتضييق التي أرهقت نوايا التقدم، وكادت تزهق روح الانفتاح، لولا إرادة التغيير التي أتت من فوق وقضت على مظاهر التنطع باسم الدين، لتندثر بها مرحلة «لا أريكم إلا ما أرى» إلى غير رجعة. وعلى ذكر الآثار، هذا السؤال يطرح نفسه بنفسه: لماذا تتبع الآثار إلى هيئة السياحة! لماذا لا يتم ضم مسؤوليتها إلى وزارة الثقافة، بوصفها -أي الآثار- الجسر الذي يربطنا في الماضي؟ إنها عبق الثقافة وصميمها، ولتتفرغ هيئة السياحة إلى أن تصبح صناعة حقيقية، إحدى مهامها التسويق إلى منتج التراث الوطني الزاخر، في الداخل والخارج.
ومن شجون الثقافة أيضاً، الحديث بألم عن أن السعودية لا تزال تحبو في سباق الدراما التلفزيونية، هذه القوة الناعمة المؤثرة التي لا تزال قيد التغافل! لم يعد مقبولاً أن يغزوا الأتراك العقول بخرافات فانتازيا أرطغرل، فيما لا تزال «درامانا» تجتر في العاصوف وأخواته خلافات عقود خلت، عفت عليها رؤية 2030! على وزارة الثقافة يقع عبء لملمة تراكمات هذا الفشل السحيق، وتنحيته جانباً في أسرع وقت، عليها دفع تجار شُنط مسلسلات رمضان إلى فراغ القنوات الفضائية، فيما هي تعمل جاهدة على الاستثمار في الإرث المشرف والطاقات الهائلة للشاب السعودي الذي كشفت تجربة وسائل التواصل الاجتماعي عن قدرته على الإبداع في أضيق الظروف، بعيداً عن بروتوكولات زعماء التنظير ولجان التطوير، في زمن الإعجاز والإنجاز الذي لا يجيدونه.
تطول شجون الثقافة والأحلام في مستقبل ننافس فيه بعدالة، وحيث يجب أن تكون السعودية في جميع الصعد الثقافية، لكن الوقت والمساحة المخصصة تتوقفان في رجاء قفزة نوعية، تُحقق رؤيةً نوعيةً أيضاً، متوقعةً في كنف الوزير النشيط، مع خالص الأمنيات بالتوفيق.
*نقلا عن "الحياة".