.
.
.
.

دروس متأخرة

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

أتت في كتب التاريخ قصة عن رجل ذهب إلى السوق يشتري حماراً، فلقيه صديق له فسأله فقال‏:‏ إلى السوق لأشتري حماراً. فقال‏:‏ قل إن شاء الله. فقال‏:‏ ليس ها هنا موضع إن شاء الله، الدراهم في يدي والحمار في السوق. فبينما هو يطلب الحمار سُرِقَت منه الدراهم، فرجع خائباً فلقيه صديقه فقال له‏:‏ ما صنعْت؟ فقال‏:‏ سُرِقَت الدراهم إن شاء الله.
ليس هو الوحيد الذي تعلم دروس الحياة متأخراً، بل كل الناس بلا استثناء لا يَسلمون من ذلك، فمن أكثرها انتشاراً الإحساس الزائد بالذكاء، فيظن الشخص أن عقله يفوق مجتمعه ومحيطه بكثير، وهذه تجدها دائماً في المراهقين وأبناء العشرينات، وما هو إلا وقت مع ضربات الحياة حتى يدرك صحة مقولة سقراط: كلما زاد علمي أدركت أني لا أعلم.
في صغري كنت أحب قراءة زوايا الاستشارات في المجلات ورأيتُ نمطاً يتكرر، وهنا درس قاسٍ آخر يغلب على بعض الفتيات وهو التعلق الشديد برجل لا يستحق، ومع فوران المشاعر تتلاشى العقلانية، وذاك الحبيب الغامض الذي لأجله تُسمع الأغاني العاطفية وتُنسَج أماني الرومانسية قد لا تخطر المسكينة على باله إلا ثوانٍ معينة في اليوم، ولا يمانع أن يلقيها على قارعة الطريق لو لفتت انتباهه غيرها. درس مؤلم، لكنها تتعلمه.
ومن التي يتعلمها الناس الآن أن نتفليكس وما شابهه لا يغني عن صلة الرحم والتواصل مع الناس، فبدأتْ تكثر عزلة الفتيان والفتيات ممن أهملوا حياتهم الاجتماعية وانعزلوا ليلعبوا ويشاهدوا الأفلام والمسلسلات، لكن بعد سنين من هذا الوضع يكتشف أن المتعة تبخرت ومعها تلك العلاقات المهمة واللحظات الثمينة التي فاتت مع الجد والجدة، والوالدان والأقارب والأصدقاء، والأعمال الترفيهية التي عبأت الذاكرة تعجز عن سد العوز لعلاقة حقيقية مع بشر يقدّرونك، ويصير غيم أوف ثرونز أو فورتنايت مجرد موضوع عابر تثيره مع الناس لثوانٍ ممتعة ويختفي من المحادثة بلا أثر.
نعيش ونتعلم.. لكن أحياناً بتأخير!

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.