المقعد الأول في السينما

صالح الديواني
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

لطالما تمنيت يوما أن أقف في طابور شباك تذاكر السينما وأختار المقعد والصف والزاوية هنا في السعودية، وهو ما فعلته في بعض العواصم العربية، لكنني لم أجرب إحساس ذلك هنا بعد.
كانت تجربتي الأولى قبل أيام في فعاليات مهرجان الأفلام السعودية الخامس الذي نظمه فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام بشراكة مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء)، هذا المعلم الحضاري الذي أضاف أبعادا كثيرة على تجربتي.
تسلمت تذكرتي من يد مدير المهرجان أحمد الملا، ومضيت مسرعا إلى بوابة الدخول التي استقبلتني عندها شابة لطيفة طالعت في تذكرتي ووجهت صديقتها لمرافقتي إلى مقعدي.
فتحت باب القاعة وأنا بين مصدق ومكذب حتى لحظتها. كنت أهجس (سينما في السعودية..!!)
كانت لحظة عظيمة قررت أن أخلدها بالجلوس في مقعدي المواجه مباشرة لشاشة العرض الضخمة جدا، ملتزما بكل آداب الحضور الوقور..
بعد مضي وقت قصير سرحت، وعادت بي الذاكرة إلى الوراء، لأتذكر أول مرة شاهدت فيها السينما في المملكة، وقد كانت عبارة عن جهاز عرض يبث فيلما بالأبيض والأسود على جانب سيارة نقل تخص المستوصف الذي تم إنشاؤه في قريتي النائية يومها، حدث ذلك قبل أكثر من 38 عاما تقريبا، وأظن أن ذلك العرض كان لجذبنا إلى مكان أخذ التطعيمات، فقد كان عند بوابة المستوصف تماما، واستمر العرض لثلاثة أيام، لم أفوّت فيها يوما واحدا على ذات الأفلام التوعوية أولا، ثم فيلم السهرة الذي كان بطله الكوميدي إسماعيل ياسين رحمة الله عليه.
كانت تلك أول سينما أشاهدها في حياتي في الهواء الطلق مفترشا الأرض مع بقية أقراني وأهالي القرية، قبل أن تتغير الأحوال، وندخل في نفق جدل تقييم الأشياء من منظور (الحلال والحرام) وليس الصواب والخطأ لكل ما حولنا. توالت الذكريات حتى أضعت متابعة تفاصيل الفيلم، لكنني قررت أن أتجنب ذلك في اليوم التالي في العرض الجديد لفيلم آخر، وقبل ذلك ذهبت لحضور محاضرة عن سوق السينما والاستثمار فيها، قدمها منتج الأفلام الأميركي بول ميلر.
المدهش في المحاضرة أنها كشفت عن حجم السوق الخليجي الصاعد والواعد جدا بحسب الإحصائيات التي أوردها، واستثماراتها في السينما العالمية في الخارج.
لم يكن ذلك مفاجئا لي بعد أن شاهدت الأعداد الكبيرة جدا من رواد المهرجان والمقاعد الممتلئة في قاعات العرض وكأنهم يتنفسون سينما سينما سينما.
قلت في نفسي ماذا لو أن الأمور سارت بشكل طبيعي قبل 38 عاما، هل كان الوسط والمهتمون بصناعة السينما في السعودية والخليج بحاجة إلى محاضرة (خواجة) يشرح مؤشرات النمو والإحصائيات، ويشير إلى النقطة التي تقف عندها صناعة السينما في الخليج؟! الواقع يقول ربما نعم عطفا على شكل ونمط التركيبة الاجتماعية والقبلية، لأن التجربة لم تكن لتقطع شوطاً كبيرا على أية حال وهو ما يؤكده ضعف المشوار السينمائي في كل دول الخليج بلا استثناء، لكنها الآن ربما انطلقت بزخم أكبر في ظل وجود الإمكانيات والأدوات والوعي بضرورة الاستثمار في مجال صناعة الأفلام السينمائية، حتى في ظل تذمر كثيرين من صناع السينما في المنطقة من شح الدعم المادي، وقلة دور العرض أو انعدامها في المملكة كمثال.
المفرح أن التجارب التي شاهدتها تبشر فعلا بمستقبل واعد للسينما السعودية بتحفز الصُنّاع الشباب، وملاحظاتي على ما شاهدته من العروض في اليومين الأخيرين من المهرجان، تمثلت في قصص الأفلام التي ركز عدد كبير منها على استحضار الماضي أكثر من الحاضر والمستقبل، مثل الختان وحكايات السدرة، وأهملت يوميات العصر الحديث الذي يعيشه الشباب، إضافة إلى إيغالها في الرمزية التي كادت أن تصادر كل شيء لولا اللقطة الأخيرة. كل المؤشرات تشير إلى أننا على أعتاب عصر السينما السعودية، والمتغيرات الحالية التي فرضتها التكنولوجيا تقول إن الوقت القادم للصورة والصوت، والسينما هي البوابة الكبرى لذلك.

*نقلا عن الوطن

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط