الإسلام والسياسة
تعد السياسة في الإسلام جزءاً من السياسة الشرعية وهو نظام الحكم، وكيفية اختيار الحاكم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم وحقوق وواجبات كل منهما، والعلاقة بين الدول في حالتي السلم والحرب، والسياسة الشرعية هي تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية، بمعنى أن السياسة تجيز للحاكم فعل المصلحة التي تحقق نفعاً للأمة، وهذه المصلحة لا تكون معتبرة في الشرع إلا إذا كانت متفقة مع الأدلة العامة والقواعد الكلية ومقاصد الشريعة، والسياسة الشرعية تعد أفضل أساليب إدارة الدولة لكونها تعتمد على نظام إلهي مستمد من أوامر الشرع الحنيف، وتختلف السياسة الشرعية عن الديمقراطية باختلاف تفسيرها بين الحق في اختيار الحاكم، أو الحق في التشريع وهذا الحق يناقض السياسة الشرعية التي تعتمد على التشريع الإلهي.
وتتميز الشريعة بخصائص وسمات مهمة، ترشحها لقيادة البشرية، وتجعلها صالحة لكل زمان ومكان، فهي إلهية المصدر واضحة المعنى التعبدي الملازم لكل حكم شرعي، تقوم على الفضائل وتنهى عن الرذائل، والجزاء فيها ثواباً وعقاباً دنيوي وأخروي، وتخضع أحكامها لمراقبة الله، وتنظيم علاقة الفرد بربه، واشتمالها على عوامل المرونة والسعة، وتتميز بالعدالة والرحمة والعالمية، فلم تعرف الأمم فاتحين متسامحين مثل المسلمين ولا ديناً سمحاً مثل دينهم، لقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فلا إكراه في الدين، وحرم قتل المعاهدين، ففي الحديث (من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة)، وحث على الرفق في الولاية العامة والخاصة والكبيرة والصغيرة لقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فأرفق به).
وقد شهد بعض المستشرقين الذين تنتفي مجاملتهم للإسلام بأن الإسلام نظاماً سياسياً، مثل ستروتمان الذي يقول: إن الإسلام ظاهرة دينية وسياسية، إذ إن مؤسسه كان نبياً، وكان حاكماً مثالياً خبيراً بأساليب الحكم، ويقول شاخت: إن الإسلام يعني أكثر من دين، إنه يمثل - أيضاً - نظريات قانونية وسياسية، وجملة القول: إنه نظام كامل من الثقافة، يشمل الدين والدولة معاً. وكذلك يقول أ. د. فتزوجوالد: ليس الإسلام ديناً فحسب، ولكنه نظام سياسي أيضاً، وعلى الرغم من أنه ظهر في العهد الأخير بعض الأفراد من المسلمين، ممن يصفون أنفسهم بأنهم عصريون يحاولون أن يفصلوا بين الناحتين فإن صرح النظام الإسلامي كله قد بني على أساس أن الجانبين متلازمان لا يمكن أن يفصل أحدهما عن الآخر. انتهى، وهنا حيث يعبرون بلفظ الدين والسياسة، فهم لا يقصدون أن السياسة ليست من الدين، كيف وهم يجعلونها من الإسلام، بل يقصدون بالدين: التديّن وجانب العبادات، وبالسياسة: السياسة الشّرعيّة.
ونخلص إلى إن الشريعة الإسلامية جاءت بما يحقق الخيرية في هذه الأمة وإعدادها لتحمل مسؤولية الرسالة العامة تجاه البشرية، قال تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)، فقامت هذه الدولة المباركة حرسها الله منذ تأسيسها بتحكيم الشريعة التي تعد أعظم منًة لله عز وجل على عباده بإنزال كتابه وتوليه بنفسه التشريعات التي تحكمهم، فمصالح العباد في المعاش والمعاد في دينه وشرعه، ولا تزال هذه الدولة بخير بفضل الله تعالى ما دامت متمسكة بهذا الدين العظيم الذي لم يحارب دين مثله على مر العصور بقصد تدمير مكتسباته وتشويه صورته، ومع كل هذه العداوات الشرسة الظاهرة والمستترة والحزبيات التي تختزل الدين في الأشخاص والجماعات لأهداف سياسية، فقد زالت دول وحضارات وفرق وثقافات، وبقي الإسلام عظيماً والأكثر تأثيراً، اللهم يا ولي الإسلام وأهله اجعل المسلمين وبلادهم في ضمانتك، واحفظ لهذا الوطن أمنه وإيمانه وقيادته يارب العالمين.
* نقلا عن "الرياض"