.
.
.
.

تغيرت السعودية.. فهل تغير السعوديون؟

عماد العباد

نشر في: آخر تحديث:

خلال الأيام الماضية جمعتني مناسبة بأحد الأميركيين الذين يعملون في السعودية، وفي حديث جانبي قال لي "لم أشهد خلال مسيرتي العملية بلدا هب فجأة ليعمل بكامل طاقته كما شهدت هنا، أكاد لا أملك وقتا للراحة". وبالفعل، فإن ثقافة العمل تغيرت كثيرا في المملكة، أصبح الدوام الحكومي الروتيني والرتيب لبضع ساعات في اليوم، شيئا من الماضي، على الأقل في الجهات التي تتطلب إنجازا وحراكا دائما. البلد بات ورشة عمل كبرى، وأصبح التغيير يتشكل في فترات قصيرة جدا. السعودية الجديدة ليست كما كانت عليه قبل بضع سنوات. أصبحت مكينة تتحرك بكل طاقتها لتنفيذ رؤيتها الطموحة.

على المستوى الاجتماعي، شهدت المملكة تغيرات كبيرة، تقاطعت فيها عوامل متعددة، بعضها خضع لمتغيرات عالمية قادتها ثورة التواصل الرقمي، والبعض الآخر شأن سعودي داخلي، وأعتقد أن النقطة المفصلية والفضل الأكبر في ذلك يعود إلى برنامج الابتعاث الذي بدأ عام 2006، وأزعم أن المجتمع السعودي ما قبل هذا البرنامج وما بعده، مختلف جدا.

قبل بدء هذا البرنامج بعدة سنوات، كان لا يكاد يخلو بيت سعودي من شاب منخرط في جماعات، مثل: النادي المدرسي، وجماعات التربية الإسلامية، التي كانت تتبع لتنظيمات شجرية أكثر عمقا وترتيبا، التي كانت ذراعا قوية لترسيخ أيديولوجيا تعتنق النسخة الأكثر تشددا في تفسير الإسلام، وبالتالي كان كل هؤلاء الشباب سفراء في منازلهم لبث وتعميق ذلك الفكر الذي نتج عنه انغلاق تام على التفسيرات الأكثر تسامحا ومرونة للتعاليم الدينية.

في فترة الابتعاث، لم يكد أيضا بيت سعودي يخلو من مبتعث، عاش هؤلاء الشباب في مجتمعات مختلفة، جربوا طرقا جديدة في التعليم والمعرفة، وتواصلوا مع أطياف أخرى من البشر، وعادوا برؤية إيجابية مختلفة انعكست على الأسرة بأكلمها، وأتحدث هنا عن المجمل، وليس عن بعض التجارب الاستثنائية الفاشلة، لم يفقد المبتعثون مبادئهم الدينية، بل عادوا برؤية أوسع وأكثر تقبلا للآراء الأخرى، تعلموا التفكير النقدي، والتعايش مع الآخر، والأهم أنهم تعلموا قيم الجدية والمثابرة والعمل، وبالتالي انعكس ذلك على مجتمعاتهم الصغيرة.

برنامج الابتعاث كان حدثا مفصليا في تاريخ المجتمع السعودي، ولكم أتمنى أن يُرفع عدد المبتعثين إلى أقصى حد، حتى يتغير جيل بأكمله، ليس فكريا فقط، وإنما أيضا تحصيليا وعلميا ومعرفيا. هذا البرنامج هز المجتمع وأظهر مجموعة ذهبية من النخبة المؤهلة أصبحت تقود الآن عملية التغيير في البلد، وإذا أردنا لهذه النتائج أن تستمر، فإن علينا أن نتوسع في برامج الابتعاث إلى أقصى ما نستطيع.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.