.
.
.
.

تجربة المئة عام

فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

تبنى المثقف العربي تيارات فكرية عديدة منذ مطلع القرن العشرين، وعلى مدى مئة عام كتب في كثير من الموضوعات، وفتح سجالات ونقاشات كبرى امتدت من الخليج إلى المحيط، كردة فعل عن كل ما حدث من نكسات وانتصارات بملء جوارحه، ويمكن اعتبار انتصار الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي منحى مهماً في تاريخ المنطقة كلها بما أنّ أغلبها تعرّض لاستعمارات مشابهة، كما يمكن اعتبار تواريخ النكبة والنكسة من أسوأ ما حلّ بالخارطة العربية، وقد سجلت الأقلام العربية هذه الأحداث الكبرى بما سمحت به الرؤى لقراءة تأثيرات تلك الأحداث عبر نتاج أدبي ضخم.
الذي حدث على مدى قرن من الزمان كان أغرب من الخيال إن تأملناه بعيون محلِّلة، فالمثقف كان يتعرّض لتغيرات مستمرة، لكنه ظلّ يصطدم بفكر المجتمع المتحجر والواقف بثبات أمامه حجر عثرة.

اعتمدت بعض الدول إرسال بعثات طلابية من المتفوقين إلى جامعات غاية في الأهمية عبر العالم، لكن عودة أولئك المبعوثين بشهادات عالية وتفكير تنويري لم تنفع بلداننا أبداً، فالعائد حمل معه الكثير من الثقافات التي احتك بها، وكلها كانت غريبة على مجتمعاتنا البسيطة، هكذا وجدت الفئة المثقفة نفسها معزولة تماماً عن بيئتها، فلا أفادت ولا استفادت من عودتها، ما أجبر الأغلبية على العودة للمنافي التي نهلوا منها العلم.
في رواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" أو في "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، أو "عراقي في باريس" لصموئيل شمعون وغيرها من الأعمال التي نقلت الصدمة الحضارية التي عاشها المثقف العربي في الغرب نفهم جيداً أن تلك البعثات كانت غير مجدية، وأن الإنسان العربي الذي عانى من فوقية الآخر خلال الاستعمارات التي تعرّض لها، ستبقى لصيقة به، ولسوف تشعره بالدونية مهما نهل من العلوم والمعارف، بل حتى تلك التي أرسلت لجامعات القاهرة وبغداد ودمشق، عاشت صدمات مختلفة كون العالم العربي ليس عرقاً واحداً، ولا ثقافة واحدة، وهو منقسم أكثر مما هو موحد تحت ذلك العنوان العربي الكبير.

لقد عاش هذا المثقف مثل فئران التجارب، بين القضبان نفسها، إذ حُقِن بمواد أنتجت منه كائناً مقبولاً بالنسبة له، ومسخاً بالنسبة لمجتمعه، ولا أدري هل يمكن اعتبار تجربته حقيقية وناضجة، أم أنّها مجرّد إرهاصات لم تثمر شيئاً ذا أهمية، حتى إنّ بعضها بدا عبثياً جداً، مثل المعتنق للشيوعية في الوقت الذي انهارت فيه الشيوعية في عقر دارها، ومثل المتطرف الذي يدعي أن إسلام الأمة الإسلامية كلها خاطئ ما عداه هو، ومثل العلماني الذي لا علم ولا دين في يده..!

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.