.
.
.
.

نوافذ "نيويورك" المحطمة

عبد الرحمن السلطان

نشر في: آخر تحديث:

في عام 1992 شهدت نيويورك 2154 جريمة قتل، إضافة إلى 626 ألف جريمة أخرى! كان القفز على أسوار قطار الأنفاق أمراً معتاداً، وكانت الرسوم على الحوائط والعربات منتشرة، لكن خلال خمس سنوات فقط انخفض معدل جرائم القتل 64 في المئة إلى 770 حالة فقط، كما انخفضت الجرائم الأخرى إلى 355 ألف جريمة! فما الذي حدث؟ وكيف؟
هناك كثير من التفسيرات والتحليلات، لكن يبدو أن أكثرها منطقية هو تطبيق نظرية "النوافذ المحطمة"، التي خرج بها عالمَا الجريمة: جيمس ويلسون وجورج كلينج عام 1982، وتبنتها شبكة قطارات أنفاق نيويورك، ثم شرطة نيوريوك، وحققت هذا التراجع الإجرامي الملاحظ.
تعتمد نظرية "النوافذ المحطمة" على فكرة بسيطة؛ الكبائر تبدأ من الصغائر، أو كما يقول المثل العربي "معظم النار من مستصغر الشرر"، ذلك أن الجرائم هي نتيجة الفوضى وعدم الالتزام بالأنظمة، فإذا حطم أحدهم نافذة زجاجية في طريق عام، وتركت النافذة دون تصليح، فسيبدأ المارة الاعتقاد أن لا أحد يهتم، وبالتالي لا أحد يتولى زمام الأمور، وهكذا تتحطم نوافذ أخرى، وتتصاعد الفوضى كما لو كانت عدوى تصيب المجتمع وتنتشر بين أفراده من البيت المقابل، إلى الشارع ثم عموم المدينة، وهو ما ينطبق أيضاً على السيارات المهجورة، ومراتع القمامة، والمباني الخربة، والزوايا المظلمة.
في منتصف الثمنينات، عيّن كلينج مستشاراً لقطارات أنفاق نيويورك، وكانت فرصة لاختبار نظريته؛ إذ كان النقاش يدور بين شراء قطارات حديثة أو القضاء على تلوين الشباب للقطارات، وعلى ظاهرة الهروب من دفع التذاكر والجرائم التي تحدث في حرم المحطات، أصر مشرف تطوير القطارات على ضرورة البدء بصغائر الأمور: الرسوم وتلوين القطارات، ثم بعد سنوات عيّن ويليام براتون ليرأس شرطة المواصلات، وكان ممن تتلمذوا على يد مبتكر نظرية "النوافذ المحطمة"، فقرر القضاء على ظاهرة التهرّب من دفع التذاكر؛ لأنه رأى أنها هي مستصغر شرور ما يحدث في القطارات.
وفر براتون مكتباً متنقلاً على متن حافلة، لكي لا يضطر رجال الشرطة إلى العودة إلى المخفر بالمحتجزين، وأضاف رجال شرطة متنكرين، بدأ في المحطات الأعلى نسبة تهرب، والقبض على المتهربين واحداً تلو الآخر، يكبلهم بالأصفاد، يقفون في طابور خارج المحطات، ليراهم الجميع! كانت أيضاً فرصة للقبض على بعض المطلوبين في قضايا أخرى. بعد فترة قصيرة توقف كثيرون عن التهرّب من التذاكر، والخوف من حمل السلاح داخل القطارات، فبدأ رجال الشرطة التركيز على الجرائم الأخرى، وهكذا تراجعت جرائم حرم محطارات القطار بشكل مثير خلال أربع سنوات.
بعد انتخاب عمدة جديد لنيويورك عام 1994؛ عيّن براتون مديراً عاما لشرطة نيويورك كلها، ليتوسع في نهجه ويطبقه على كل أجزاء المدينة، ويحقق المستحيل بتراجعٍ هائل في الجرائم، ما قاده لأن يتولى رئاسة شرطة بوسطن ولوس أنجلس ونيويورك مرة ثانية.. كل هذا بالتركيز على صغائر الأمور أولاً.

*نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.