ظاهرة التشرد العالمي.. تجربة التنفس في عالم مغاير

عبدالله الزازان

نشر في: آخر تحديث:

مرّ عام على الذكرى العشرين للمبادئ التوجيهية للتشرد العالمي، فظاهرة التشرد هي إحدى الظواهر التي تعاني منها البشرية. ففي العام 2005م قدر عدد المشردين حول العالم بنحو 100 مليون مشرد، فالزائر لدول الغرب الصناعي وخصوصًا الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي سوف يلحظ جماعات المشردين المتجمهرين في غياهب المدن ومحطات السكك الحديدية وأقبية المدن الكبرى والأحياء الشعبية الفقيرة.

والسؤال: أليس لأولئك من ذراع يتكئون عليها ترفع عنهم معاناة التشرد؟

نعم ففي الولايات المتحدة الأميركية منظمات كمنظمة ساوث برونكس ومنظمة بروكلين في نيويورك وهاواي وساندييغو للحد من ظاهرة التشرد إلى آخر قائمة الجمعيات والمنظمات الغربية الطويلة.

صار التشرد في الغرب خيارًا وثقافة وسلوكًا ومفهوم حياة جديداً ارتبط بمفهوم الحرية، فعندما يقرر شخص ما أن يكون عضوًا في مجتمعات التشرد فإن قراره سوف يؤدي به إلى سلسلة من أنماط سلوكية تكسبه الحرية المكانية المطلقة.

في العام 1985م عرضت إحدى محطات التلفزيون الأميركية فيلم Stone Pillow وسائد من حجر يصور قصة امرأة مسنة مشردة تقيم في مدينة نيويورك، وقد عرض الفيلم تفاصيل الحياة اليومية لتلك المرأة المسنة والثقافة التي التقطتها من الشارع والتحولات النفسية والسلوكية التي صاغت حياتها الجديدة والعادات التي روضت نفسها عليها والتي مكنتها من أن تجعل مدينة نيويورك بيتًا لها.

ولكن هل كل أولئك المشردين أسوياء أصحاء؟ وهل هم على وفاق تام مع دواخلهم النفسية والعقلية؟

أغلب الإحصائيات تشير إلى أن 20 % من المشردين يعانون من إعاقات عقلية وذهنية، وكثير منها ما بين الوهم والقهر واليأس والفراغ والخوف والخرافة والفصام والبرنويا أو نتاج إقصاء اجتماعي أو عنف منزلي أو انحراف في النسج الاجتماعي أو كوارث طبيعية.

أتذكر في الثمانينات الميلادية قال لي أحد المشردين والذي كنت أراه في طريقي إلى مداخل إحدى محطات القطارات في واشنطن: إنه يقيم في المحطة منذ أكثر من 10 سنوات وأن الشارع يهبه طاقة إبداعية وروحًا خلاقة وأملًا متجددًا.

يعتقد بعض علماء النفس أن الشارع العلاج الحقيقي للاضطرابات والحالات النفسية، ولذلك ترك الغرب المشردين في الشوارع يشاركون الأسوياء حياتهم.. ولكن كيف يمكن معالجة هذه الظاهرة الاجتماعية العالمية؟

المفتاح لمعالجة هذه الظاهرة بالتوقف عن التفكير في أن هذه الظاهرة مستعصية العلاج إذا ما عرفنا أن نسبة المشردين المختلين عقليًا تتراوح ما بين 16 و 22 في المئة مما يجعل المشردين ليسوا صنفًا واحدًا.. ولكن ما السبب في التشرد أساسًا؟

فإلى جانب الاختلال العقلي يأتي الإدمان وتحطم الهيكل التقليدي للأسرة غير أن هنالك أسبابًا تتعلق بالقناعات، إذ إن هنالك الكثيرين من الناس ممن استطاعوا أن يتجاوزوا حالة الدمار التي لحقت بهم بسبب الإدمان أو ممن فقدوا بيوتهم أو ممن لم ينعموا في حياتهم بحياة الأسرة المستقرة إلا أنهم لم يتشردوا على الإطلاق.. ولذلك فعندما نحدث تغييرًا في حياة أحد المشردين فلابد لنا أن نساعده على أن يحدث تغييرًا في قناعاته وقيمه وهويته الشخصية.

أحد الأمثلة الرائعة على ذلك شاب كان يعيش في أحد شوارع نيويورك منذ عشر سنوات مدمنًا لأشد أنماط العقاقير، وقد تمكن أحد الاختصاصيين في ساعة واحدة من تغيير قناعاته وإعادته إلى المجتمع بهوية جديدة.

يقول المفكر روبنز: إن الكثيرين من المشردين في الغرب يعانون من مشكلة الإدمان على العقاقير ولا يعرفون كيف يمكنهم أن يواجهوا وضعيتهم، وبما أن الحرية تبدو وكأنها قيمتهم العليا إلا أنهم غير مستعدين لأن يتصرفوا حسب القواعد التي يفرضها المجتمع، ولذلك فهم يتجنبون الضغوط التي يربطونها بتلك القواعد، كما أنهم أسسوا لأنفسهم مجتمعًا كاملًا يقوم على ثقافة التشرد، وقد أصبح لبعضهم بيوت يأوون إليها إلا أنهم يقضون معظم وقتهم في التشرد؛ لأنهم مازالوا يقرنون هويتهم كليًا بالشخصية المشردة.

إن من أكبر التحديات التي يواجهها الإنسان معرفة كيفية تفسير إخفاقاته وبالذات في الطريقة التي يتعامل بها مع هزائم الحياة.

أجرى د. مارتن سيغليمان من جامعة بنسلفانيا الأميركية أبحاثًا حول الأسباب الكامنة وراء حالة العجز والتشرد، وذلك من خلال القناعة بأن المشكلة دائمة أو مؤقتة، فالذين عادة ما يتمكنون من إنجاز نجاحات في حياتهم نادرًا ما يفكرون أن المشكلة التي يجابهونها هي مشكلة دائمة بل هي مشكلة مؤقتة بينما ينظر أولئك الذين يخفقون في حياتهم إلى أي مشكلة مهما كانت صغيرة على أنها أمر دائم.

فالشخص الذي يحقق إنجازات فعّالة لا ينظر إلى أي مشكلة على أنها دائمة بل ينظر إليها على أنها عابرة أو مؤقتة.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.