.
.
.
.

العلاقة السعودية - الأميركية.. والشراكة الاستراتيجية

عبدالله الزازان

نشر في: آخر تحديث:

المملكة في جميع علاقاتها تنطلق من مصلحتها الوطنية والتي على ضوئها تترتب مظاهر سلوكها السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي وقد شاء الله أن يكون قدرها أن تحمل مع همومها الوطنية وتطلعاتها المشروعة هموم المنطقة بأسرها وهي منطقة استراتيجية ذات أهمية قصوى للعالم بأسره

التلاحم التاريخي الاستراتيجي ما بين الرياض وواشنطن أحال العلاقة الثنائية إلى نسيج ملتحم لا يمكن أن ينظر إليه من خلال الزاوية الاقتصادية وحدها وإنما شمل مجالات أخرى سياسية وتقنية وتعليمية وعسكرية واستراتيجية.

فالمملكة تاريخياً شريك استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وبمرور الزمن أصبحت ثوابت تحكم العلاقة الثنائية السعودية الأميركية وهي شراكة تقوم على الندية والتكافؤ وتتسم بالتوازن والتفاعل والاعتراف المتبادل بين البلدين بأهمية الآخر وكونه طرفاً أساسياً في كثير من المعادلات الاستراتيجية وقد استفادت المملكة من علاقتها وصداقتها الطويلة مع الولايات المتحدة الأميركية في تطوير مواردها الذاتية وترسيخ بنية اقتصادها الوطني وتدعيم إمكاناتها الدفاعية.

وهي علاقة ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب كما يتبادر إلى الأذهان بل هي علاقة تعود إلى أكثر من نصف قرن ولم تكن هذه العلاقة أحادية الاهتمام أو ذات بعد واحد بل كانت تغطي مساحات واسعة من الاهتمامات المشتركة.

ولذلك فالولايات المتحدة تدرك حجم ودور المملكة الحقيقي كدولة قائدة ومحورية تتمتع بثقل واستقرار اقتصادي وسياسي على مستوى العالم ومكانة قيادية على مستوى العالم العربي والإسلامي وهذا لم يكن قصارى وحجم دور المملكة فهي على ساحة الاقتصاد العالمي [الطاقة] العضو الأكبر بحكم حجم الإنتاج وأحد أكبر الأعضاء الفاعلين في منظمة التجارة الدولية وأحد الأعضاء الكبار في مجموعة العشرين الاقتصادية الكبرى وقبل ذلك أحد الأعضاء المؤسسين لمنظمة الأمم المتحدة.

ومع إطلالة هذه المرحلة الجديدة أخذت العلاقات السعودية - الأميركية أشكالاً جديدة أملتها الأوضاع العالمية والمتغيرات السياسية في منطقة الشرق الأوسط ومن هنا أخذت العلاقات السعودية ـ الأميركية شكلاً جديداً يعد فيه كل من الطرفين الطرف الآخر شريكاً أساسياً لا بد من أخذ وجهة نظره باهتمام كبير في أي مسعى سياسي أو عسكري أو استراتيجي وذلك في ضوء انتماء كل من البلدين إلى حضارته واحترام كل منهما لتراثه الثقافي والفكري وخياراته الاستراتيجية.

فالمملكة في جميع خطواتها السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية ـ ذات سيادة ورؤية واضحة ـ تنطلق من معرفتها بما تريد هي لا من إدراكها لما يريد الآخرون وإن كانت معرفتها بمواقف الآخرين جزءاً من انتهاجها لسياسة الحوار لكي تتوفر المعرفة المتبادلة بضرورة السعي نحو تقريب وجهات النظر.

ولذلك فالمملكة في جميع علاقاتها تنطلق من مصلحتها الوطنية والتي على ضوئها تترتب مظاهر سلوكها السياسي والدبلوماسي والاستراتيجي وقد شاء الله أن يكون قدرها أن تحمل مع همومها الوطنية وتطلعاتها المشروعة هموم المنطقة بأسرها وهي منطقة استراتيجية ذات أهمية قصوى للعالم بأسره وأن تشارك أكثر من غيرها في التصدي لمشكلات كثيرة وقد تقبلت هذا القدر بروح المسؤولية من منطلق معرفتها بحجمها الدولي كقوة فاعلة في المسرح العالمي ولذلك تتخذ الموضوعية ومواجهة الحقائق سبيلاً للتعامل الدولي مع كل القوى الإقليمية والعالمية فالتوازن الدقيق الذي أقرته سياسة الملك سلمان بن عبدالعزيز ـ حفظه الله ـ هو أن تحرص الدولة على رعاية مصالحها الوطنية ومكانتها القيادية في العالمين العربي والإسلامي ودورها الإقليمي والعالمي وكان هذا التوازن الدقيق سمة لسياسة المملكة الخارجية.

واليوم المتغيرات السياسية العالمية استدعت دخول المملكة كبلد رئيس في ساحة الأحداث وقد استخدمت المملكة ثقلها السياسي والاقتصادي والاستراتيجي إقليمياً وعالمياً من أجل الوصول إلى مشروعات حلول عادلة وسليمة وذلك بما تتمتع به من حكمة وحنكة ونظرة واسعة ومتسامحة بحيث أصبحت كياناً يجمع وبلداً يوحّد وقوة تعزز وتدعم الحق وتقف إلى جانب المبادئ وفي الوقت نفسه أحدثت نقلة نوعية في شبكة العلاقات والمصالح في السياسة الخارجية وذلك عن طريق تبني استراتيجية القوة الذكية لمواجهة التحديات الخارجية والتي تقوم على تفعيل الدبلوماسية على أعلى المستويات وإقامة التحالفات والاتصال الاستراتيجي ضد مصادر التهديد الإقليمي من أجل تدعيم قدرة المملكة على القيام بدورها الإقليمي وتحقيق مصالحها.

فهذا البلد القارة يحتاج إلى جهد طائل للحفاظ عليه بصورة إيجابية تحفظ على الوطن سلامته وأصالته ولقد أثبتت المملكة قدرتها على التكيف مع المتغيرات والارتفاع بها إلى مستوى المسؤوليات الثقيلة لحماية مصالحها ضد أي تهديدات خارجية لا سيما وهي تأتي في ظروف تتصاعد فيها الأحداث في المنطقة بما يستلزم التحرك في كل المجالات سعياً وراء إقرار السلام وتمكين الاستقرار في المنطقة.

فالنهج الاستراتيجي الذي يقوده الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - يؤكد على قوة النموذج السعودي اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً واستراتيجياً في الحفاظ على مصالح المملكة الحيوية ضد أي تهديدات خارجية فالعالم اليوم ومن بينه منطقة الخليج يواجه معضلة كبرى جراء الفكر السياسي الإيراني وهي معضلة في غاية التعقيد والخطورة وبالذات بعد أن جهر النظام الإيراني بعدائه للمنطقة والعالم.

فالاستقراء الموضوعي يكشف بوضوح أن السياسات الإيرانية تسببت في معضلات ومشكلات كثيرة أصبحت فيه إيران وبأيدي حلفائها ووكلائها في المنطقة أداة تدمير بما يمثلونه من خطر على السلم الإقليمي.

وهذا يضعنا أمام حقيقة أن السياسات الإيرانية في المنطقة تقوم على النزعة الانتهازية العدوانية والعداء المستحكم حيث أصبحت عاجزة عن استيعاب واقع العصر فعاشت في عزلة حتمية مما يجعل تقاربها مع العالم بالغ الصعوبة.

فالفكر السياسي الإيراني موجه لتعزيز الضدية إذ يتحصن هذا الفكر داخل ترسانة من الممانعات الرادعة عن التسويات تتم عبر تماسك مؤسسي بما يضخه من خصومات وكراهية وعداوات فالفكر السياسي الإيراني يعد من أشد التعبيرات غموضاً في العصر الراهن وحتى المفكر سوف يجد نفسه أمام أطروحة غير محددة المعالم إطلاقاً ولذلك فنحن أمام فكر سياسي يستوجب محاولة فهمه وذلك بالتركيز على المكون التاريخي وموجهاته الفكرية وتشابكاته التاريخية المعقدة ذلك أن بنية العداء والكراهية هي التي تتحكم في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية.

فإيران ـ كما لا يحتاج إلى نقاش ـ ذات مواقف متحاملة ضد الغير وبمرور الزمن أصبحت ثوابت تحكم الاستراتيجية الإيرانية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.