.
.
.
.

أمن منطقة الخليج العربي والمسؤولية الدولية الغائبة

د.إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

أمر يدعو للتعجب أو للتساؤل عندما نشاهد الغياب الكبير وغير المُبرر لمنظمة الأمم المتحدة عن الأحداث السياسية والأمنية القائمة في منطقة الخليج العربي، وكذلك عن صمتها المُستغرب عن سلوكيات وممارسات النظام الإيراني الذي يتحدث بشكل علني عن سياساته المتطرفة التي تسببت بزعزعة أمن واستقرار المنطقة، وأثرت سلباً على الاقتصاد الدولي.

تأسست منظمة الأمم المتحدة في 1945م لتكون أداة رئيسية من أدوات الاستقرار الدولي بعد إخفاق منظمة عُصبة الأمم من الوفاء بذلك الدور؛ ولكنها الآن غائبة عن أداء دورها الرئيس في منطقة الخليج العربي.

انضمت -تقريباً- جميع دول العالم لمنظمة الأمم المتحدة، وصادقت على انضمامها بالتوقيع على ميثاقها الرئيس الذي ستعمل وفقاً له في قادم أعوامها؛ ولكنها، بالرغم من تفاعلها حيناً من الوقت، تغافلت أحياناً كثيرة عن أداء دورها الرئيس الذي كفله لها نظامها، حتى فقدت الكثير من احترامها وهيبتها لدى بعض الدول، وغالبية الرأي العام الدولي؛ وكما هي معظم الأنظمة السياسية المعتدلة ودول العالم المسالمة، أوفت الدول العربية في منطقة الخليج العربي بالتزاماتها الدولية، بالعمل وفقاً للقوانين والأنظمة والمعاهدات الدولية التي أقرتها منظمة الأمم المتحدة؛ ولكن هذه الأنظمة السياسية المعتدلة والدول المُسالمة لم تجد في المقابل من منظمة الأمم المتحدة الوفاء، بالوقوف معها ومساندتها في سبيل حفظ الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي، ولم تجد الالتزام، بتطبيق قوانينها الدولية التي تعاقب الأنظمة السياسية المتطرفة والدول المعتدية والمزعزعة للأمن والسلم والاستقرار الدولي.

إنه أمر يدعو للتعجب أو للتساؤل عندما نشاهد الغياب الكبير وغير المُبرر لمنظمة الأمم المتحدة عن الأحداث السياسية والأمنية القائمة في منطقة الخليج العربي، وكذلك عن صمتها المُستغرب عن سلوكيات وممارسات النظام الإيراني الذي يتحدث بشكل علني عن سياساته المتطرفة التي تسببت بزعزعة أمن واستقرار المنطقة، وأثرت سلباً على الاقتصاد الدولي.

فالتعجب يأتي من عدم تفاعل منظمة الأمم المتحدة مع التصعيد السياسي والأمني والعسكري الذي تشهده منطقة الخليج العربي، على الرغم أنه أحد أهم اهتماماتها الرئيسية التي نصَّ عليها ميثاقها الذي تأسست بناءً عليه.. فقد جاء في الفقرة الأولى والرابعة من المادة الأولى المعنونة بـ: "في مقاصد الأمم المتحدة" من الفصل الأول المعنون بـ: "في مقاصد الهيئة ومبادئها" من ميثاق الأمم المتحدة، التالي: أولاً: "حفظ السلم والأمن الدولي، وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعّالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرّع بالوسائل السلمية، وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي، لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها". ورابعاً: "جعل هذه الهيئة مرجعاً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة"، وبالإضافة لما نصَّ عليه ميثاقها الذي تأسست وفقاً له، أيضاً جاء في الموقع الرسمي للمنظمة بأن أهم عمل تقوم به هو: "صون السلم والأمن الدوليين"، وتحت هذه المهمة الرئيسية ذكرت بأنه: "أُعطيت الأمم المتحدة عند إنشائها -بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية- ما اعتبره مؤسسوها في وقته أهم أهدافها: صون السلم والأمن الدوليين؛ ويدخل في أنشطة الأمم المتحدة في صون السلم والأمن الدوليين: منع النزاعات وصنع السلام وحفظ السلام وبناء السلام.." فإذا كانت هذه هي أهم مهامها، إذاً لماذا هي غائبة تماماً عن أحداث منطقة الخليج العربي، على الرَّغم من تمتع جميع دول المنطقة بعضويتها الكاملة؟ أليس ما يحدث في منطقة الخليج العربي يُعتبر من أهم مهام منظمة الأمم المتحدة؟ أم أن هذه المنطقة بدولها ومياهها البحرية ومضائقها الدولية ليست ضمن اهتماماتها؟ وإذا كان كذلك، فلماذا؟

وإذا تَضَمَّنَ التعجب حول موقف منظمة الأمم المتحدة عدداً من التساؤلات العامة، فإن الحديث عن دور أجهزتها حول الأوضاع السياسية القائمة والتصعيد الأمني والعسكري الخطير بمنطقة الخليج العربي أمر يدعو للمزيد من الاستغراب والكثير من التساؤلات. أليس مجلس الأمن أحد أهم أجهزتها الذي يهتم ويعتني بالأمن والسلم والاستقرار الدوليين؟ ألم يذكر الموقع الرسمي للمنظمة بأنه: "بموجب ميثاق الأمم المتحدة، يضطلع مجلس الأمن بالمهام، ويتمتع بالسلطات، التالية: 1) المحافظة على السلام والأمن الدوليين وفقاً لمبادئ الأمم المتحدة ومقاصدها؛ 2) التحقيق في أي نزاع أو حالة قد تفضي إلى خلاف دولي؛ 3) تقديم توصيات بشأن تسوية تلك المنازعات أو بشأن شروط التسوية؛ 4) وضع خطط لإنشاء نظام لتنظيم التسلح؛ 5) تحديد أي خطر يتهدد السلام أو أي عمل عدواني، وتقديم توصيات بالإجراءات التي ينبغي اتخاذها؛ 6) دعوة جميع الأعضاء إلى تطبيق الجزاءات الاقتصادية وغيرها من التدابير التي لا تستتبع استخدام القوة للحيلولة دون العدوان أو وقفه؛ 7) اتخاذ إجراءات عسكرية ضد المعتدي؛.." فإذا كانت هذه من المهام والصلاحيات والسلطات التي يتمتع بها مجلس الأمن، فلماذا لا نجد له أي دور حول الأوضاع القائمة في منطقة الخليج العربي؟! ولماذا هو غائب تماماً عن القيام بمهامه الرئيسية في حفظ الأمن والسلم والاستقرار بمنطقة الخليج العربي التي تأثرت سلباً بسبب السياسات والسلوكيات والممارسات المُتطرفة التي يقوم بها النظام الإيراني؟!.

وفي الختام من الأهمية القول: إن من العقلانية السياسية المساهمة الدولية الجماعية في حفظ أمن وسلم واستقرار منطقة الخليج العربي التي في بقاء أمنها أمنٌ للعالم من تمدد التنظيمات الإرهابية؛ وفي المحافظة على سِلمها محافظة على سِلم المجتمعات من انتشار العناصر الإرهابية؛ وفي تعزيز استقرارها استقرارٌ للأنظمة السياسية المُعتدلة التي تواجه التطرف وتحارب الإرهاب، واستمرارٌ للنمو الاقتصادي الدولي من أن يتأثر بسبب التصعيد السياسي والأمني والعسكري.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.