.
.
.
.

خطاب ماكرون والبلدان النامية

د. عبدالله الفرج

نشر في: آخر تحديث:

خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون الذي ألقاه في الاجتماع السنوي مع السفراء يستحق التوقف عنده. فهذه أول مرة يقر فيها رئيس دولة غربية بل وزعيمة، بأن هيمنة الغرب قد انتهت، وأن النظام العالمي يعيش أزمة لا مثيل لها. وأن اقتصاد السوق والعالم يعانيان من أزمة وتغيرات تكنولوجية وبيئية ضخمة. ولذلك فإن الحضارة الأوروبية تحتاج استراتيجية جديدة بعيدة النظر.

وإذا كان اعتراف الرئيس الفرنسي ربما يشكل صدمة للبعض، فإن غالبية المتابعين والمحللين يعتبرون كلام سيد الإليزيه تحصيل حاصل. فليس هناك من لا يرى كيف صعدت الصين وتحولت إلى جبروت اقتصادي، بحيث أصبحت وتائر نموها تثير القلق لدى الدول كافة التي كانت وإلى الأمس القريب تتربع قائمة البلدان العشرة الأكثر تطوراً في العالم.

وأعتقد أن كلام الرئيس الفرنسي يفترض أن يلفت نظر البلدان النامية، التي كانت الصين وإلى الأمس القريب واحدة منها. وأنا في إحدى مقالاتي السابقة ذكرت أننا بحاجة إلى معرفة الخلطة الصينية. فرغم أن الجميع يرى كيف تتقدم الصين وتأخذ كل عام مواقع في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والقدرة الحربية أكثر تقدماً من موقعها في العام السابق له، فإن البلدان النامية كافة، أو بالأصح معظمها، مازالت تتبع أساليب التخطيط المستوردة من الغرب. الأمر الذي يعني أنها مازالت غير مصدقة ولا مستوعبة ما تحققه الصين من إنجازات.

إن الأمر يتطلب، على ما يبدو لي، ليس فقط زيادة الترابط الاقتصادي بالصين، فهذا تفعله كل البلدان نتيجة العائد الاقتصادي المرتفع الذي يحصل عليه كل من يتعامل معها، فهذه البديهة يفترض أن تحرضنا على شيء آخر أكبر وأكثر جوهرية، وهو استيراد الخبرة والتجربة والوسائل التي مكنت الصين من تحقيق هذا التقدم والرقي الذي يحسدها عليهما الجميع. وبالتأكيد هي وسائل تختلف عن تلك التي تستخدمها الدول الغربية. فالتجربة الصينية يفترض أن تعطي اهتماماً لا يقل عن الاهتمام بالتبادل التجاري معها. وهذا يتطلب رفع عدد طلبة البلدان النامية الذين يدرسون في الصين، خصوصاً في مجال التخطيط والاستراتيجية.

إن توجيه البلدان النامية لمزيد من ابتعاث طلابها إلى الصين سوف يوازن عدد طلبة هذه البلدان الدارسين في بلاد الغرب. وهذا بدوره لابد أن ينعكس على وضع استراتيجيات وخطط التنمية في البلدان النامية. فتوفر الكوادر المتخرجة من الجامعات والمعاهد الغربية والصينية سوف يمكن تلك البلدان من الاختيار بين أساليب التخطيط في الغرب ومزجه بأدوات التخطيط في الصين، والذي هو أقرب إلى الخطط التي تضعها الشركات الكبرى لنفسها. فهذا أفضل من الاعتماد على طريقة واحدة لإعداد استراتيجية التنمية.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.