.
.
.
.

أيّ الفسادين أخطر؟

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

في الأربعين سنة الماضية كانت كلمة فساد تشير إلى وضعية خاصة بالمرأة، وتشير إلى الفن بالمجمل، لا يدفعنا سماعها إلى التفكير في سرقات المال العام والرشى والوساطات غير الشرعية.. إلخ.

ما أنجزه سمو ولي العهد في مكافحة الفساد لم يكن نقلة إدارية أو أخلاقية فحسب بل ثقافية بامتياز، غيـّر ميراثاً طويلاً من المفاهيم الثقافية. عندما نعود إلى بحث العلاقة بين المال العام وبين رجل الشارع سوف نرى قطيعة، المال العام لم يكن يوماً من اهتمامات الإنسان العادي.

المال العام لا يقتصر على المال (المناقصات وغيرها) هو أيضاً المكتسبات؛ فالأم في الماضي كانت تأمر أطفالها بإلقاء أي شيء زائد في الشارع، فالشارع في ثقافتها مكان لا يخصنا، ولم يكن امتداداً للبيت، لا نعلم أن نظافته من نظافة البيت وخرابه من خراب البيت، ما إن نخرج من البيت حتى نجد أنفسنا في فضاء لا يهمنا من يملكه. من جملة ألعابنا وتسليتنا أيام الطفولة، كنا ندور على الحارات في الليل ونحطم اللمبات ونتضاحك طرباً، كانت عبارة (حلال حكومة) تعني أي شيء بلا صاحب وبلا قيمة. (هذي سيارتي وش تفكرها.. تخبط بها تفكرها حلال حكومة).

حتى الآن مع الأسف لا ننظر إلى سارق المال العام كمجرم، نعرف أن هذا الثري كان فقيراً، وعندما عمل في القطاع العام أثري، ونعلم من هو المالك الحقيقي للشركة المسجلة باسم زوجته، مازال هذا الرجل يلقى الاحترام الذي يلقاه الأثرياء الشرفاء. تم تضخيم الفساد الفردي المتعلق بالممارسات الاجتماعية المتهتكة على حساب كل فساد آخر، عندما نقول: فلان فاسد، لا يمكن أن يذهب خيالنا إلى سرقات المال العام.

قبل الحملة على الفساد التي قادها ولي العهد كنا متصالحين ثقافياً مع الفساد العام نتيجة انشغالنا الشديد والمبالغ فيه بالفساد الاجتماعي إن جاز التعبير.. ربما يعود الأمر إلى أن مجتمعاتنا مربوطة بثقافة لا علاقة لها بمفهوم الدولة الحديثة، قطيعة بين ما يملكه الناس وما تملكه الدولة، لا يوجد في أذهاننا شيء اسمه اقتصاد وطني ورأسمال وطني.. إلخ.

دخلت كلمة اقتصاد ضمن اهتمام الإعلام السعودي في السنوات العشرين الماضية فقط، قبل عشرين سنة لم يكن أحد يتداول كلمة بطالة أو القطاع الخاص والقطاع العام، والقليل جداً يعرف أن القطاعين يتكاملان.

كما تحدثت قبلاً عن الإشاعة، وتمنيت أن يُنشأ جهاز للتصدي لها، أتمنى أن يأتي اليوم الذي نعلّم فيه أبناءنا في المدارس أن المال العام هو مال الجميع، وليس مالاً سائباً، وأن السطو عليه هو سطو على بلادنا وأمننا. الفساد العابث بالمال العام أشد جرمية من الفساد اجتماعياً.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.