.
.
.
.

أيُّ مجدٍ أنت؟!

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

إنّ ما تشهده بلادنا من نهضة وتطوير وتلاقح فكر وحضارة وإبداع، يستوجب أن نكون حريصين على لغتنا العربية، وخاصة أننا أهلها وبلادنا هي موطنها، كما أن حضارتنا مرتبطة بها..

في ظل ما يزدحم به إعلامنا اليوم - في القنوات المقروءة والمسموعة والمرئية - لم نجد بداً من ابتعادنا قليلاً بقارئنا الكريم عن وجع القلوب وما يعتريها من مشاهد القتل والسلب والنهب والظلم على مرأى ومسمع من العالم والمتشدقين بحقوق الإنسان، والمزايدين، والمنافقين، وفاقدي المصداقية بكل وضوح! ولذا نذهب إلى إحدى القنوات لندلف إلى ردهات الأزهر الشريف، مما يحيل الأمر إلى بهجة وفخر واستشراف المجد والرفعة! ولكنني لا أعرف لماذا ذرفت أدمعي أثناء مشاهدة حلقة متلفزة للمذيع الكبير نشأت الديهي، ولم يهتد فكري إلى كنه حيرتي: لماذا تدمع عيناي؟! أهو حنين لأمر بات شبه مفقود، أم هي الغيرة؟ أم فرحة وانتشاء! حقيقة لم أتمكن من حقيقية مشاعري التي لم أجرؤ على السيطرة عليها أثناء دخول المذيع إلى مركز اللغة العربية لغير الناطقين بها في الأزهر الشريف!

عالَم كان خفياً عن أعيننا، عالم يعمل في صمت، عالم مزدحم بطلبة وطالبات العلم والمعرفة الجادين، والطامحين، والراغبين، والمتفرغين لها؛ يتدربون لكي يصبحوا علماء! أفلا تستحق منا لغتنا العربية هذا الاعتناء! أفلا نكون نحن أولى وأحق بها علماً ومعرفة ونطقاً وحديثاً وإجادة؟!

يعلم الواحد منا أنه إذا ما رغب في الدراسة بالخارج، فإن بعض الدول تستوجب عليه إتقان لغتها أولاً، ثم يلتحق بالدراسة في إحدى جامعاتها، حينها كنت أشعر بالغيرة على لغتنا وكيف ألا يجيد الطالب اللغة العربية كتابة ونطقاً قبل الولوج في ردهات الجامعات، فلم تخلد أعمال طه حسين، والعقاد، والمازني، وغيرهم من أعلامنا العرب الخالد ذكرهم، سوى بإتقان لغتهم العربية، إذا لا يتحدثون إلا بها، فصحى متقنة في أحاديث مجالسهم، ولكنني وجدت ضالتي هذه الليلة في جامعة الأزهر الشريف، إذ تبين لي أن هؤلاء من مئات الوافدين من طلبة العلم به، لا بد أن يلتحقوا بهذا المركز، لإتقان اللغة العربية لغير الناطقين بها، فكان شرطاً ملزماً من شروط دخول جامعة الأزهر، ولذا استبان لي أثناء متابعتي لهذه الحلقة أن مجموعات كبيرة من الطالبات والطلبة الوافدين في مراحل متدرجة يتلقون تعليم اللغة العربية ليس فقط نطقاً فحسب وإنما دراسة أصول اللغة من نحو وصرف! وكم كان مبهجاً حين طلب المذيع تلاوة ما يحفظونه من القرآن الكريم فيتبارون في التلاوة والتجويد والحفظ!

كم هو مبهج حينما يعود هؤلاء الطلبة والطالبات إلى بلادهم، وقد أصبحوا علماء ينشرون تعاليم الدين والأحاديث والتسامح والسلام بلغة عربية فصحى تطرب لها الآذان، وتخضع لها القلوب، ثم لا يفتؤون أن يحدثونا عن أن الأزهر الشريف يعلمهم وسطية الدين دون مغالاة أو تطرف، فحين تُسأل إحدى الطالبات عن أهم ما تلاحظه في مصر، فتجيب: "إنه كل ما يدخل أي أحد على ناس يقول السلام عليكم" وما أعظم هذه السمة التي تخصنا بها والتي لا توجد في بلادها بحسب قولها!

هذا أمر يبعث على السرور والفخر والغبطة، لكن ما يدمي القلب هو ذلك التساؤل الملح: لماذا أبناؤنا لا يتقنون اللغة العربية التي هي لغتهم، ولماذا يتباهى أبناؤنا بمزج اللغة العربية باللغة الإنجليزية، وكأنه إعلان عن ثقافة مستقاة! ولماذا نتساهل نحن في ذلك من جهتنا؟! جميعها تساؤلات تبعث على الحسرة، إذ تحدثت معي إحدى الفتيات عن متعتها بالعمرة فتقول: "عملنا (راوند) حول الكعبة" تقصد الطواف وهذا على سبيل المثال لا الحصر! كما أنها استحدثت بين الشباب - وخاصة في لغة التواصل الاجتماعي - لغة غريبة وهي اختزال أرقام متفق عليها موحية بمعنى الحرف العربي، ولا أعلم هل ذلك أمر متسرب لإفساد اللغة، أم أنها طريقة مثلى متداولة استحب الشباب صياغتها وعلى سبيل المثال (3) كحرف العين و(7) كحرف الحاء، وهكذا حتى بت أخال أن اللغة العربية برمتها سوف تتحول إلى أرقام وشفرات مع مرور الوقت!

أشعر بالأذى السمعي - وكأنه نشاز في لحن متعسر - حينما أجد بعض المذيعين والمذيعات يتحدثون بتراكيب اللغة "العامية" وإن تحدثوا باللغة العربية كانت الأخطاء موحشة، حتى أن خطاب المناسبات تحفه الأخطاء المستنفرة للآذان، وتلك أمور يجب أن نتساءل عن سبب تحدرها بيننا، بينما نجد أن طلاب العلم الوافدين يحرصون على التحدث بنقاء اللغة وبسلاستها وبطلاوتها ومن دون تكلف أو تقعر!

كم وددت أن يعود بي الزمن لأنضم إلى صفوف هؤلاء الطلاب والطالبات، فهم لم يتوافدوا - بحسب قولهم - لتعلم اللغة وأصول الدين فحسب، وإنما لتتم تربيتهم كعلماء، يعودون لبلادهم فقهاء وعلماء ومحدِّثين وناشري معرفة، بالإضافة إلى نقل الحضارات وتدوينها، فأي المقعدين نتخذ لأنفسنا؟!

إن ما تشهده بلادنا من نهضة وتطوير وتلاقح فكر وحضارة وإبداع، يستوجب أن نكون حريصين على لغتنا العربية وخاصة أننا أهلها وبلادنا هي موطنها، كما أن حضارتنا مرتبطة بها. ومن هنا أعتقد أنه يتوجب إصدار مشروع إتقان اللغة العربية كشرط أساس في صفوف جامعاتنا ومدارسنا، وأن على إعلامنا ألا يتحدث سوى بالعربية الفصحى عبر قنوات الإعلام دون التحدث بالعامية التي باتت لغة الخطاب العام عبر كل نافذة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.