.
.
.
.

الـ«يوتيوب» وحقوق الطفل

نايف الوعيل

نشر في: آخر تحديث:

على مواقع التواصل الاجتماعي عادة ما تلفت نظري مقاطع الفيديو الخاصة بالتدوينات الأسرية، التي عادة ما يقدمها أطفال صغار برفقة ذويهم، تستعرض مقاطع من حياتهم اليومية، وما يقومون به من تصرفات طريفة، تجذب أنظار المشاهدين، وتحظى بكم من المشاهدات يفوق التصور، وبالقطع تدر عائدًا ماديًا على الأسر. في المنطقة العربية، لا يوجد مصطلح دقيق لوصف الظاهرة التي تحظى بشعبية جارفة، فهي نمط من التدوين، إلا أنها تختص بنقل التفاصيل الأسرية اليومية، ولهذا السبب تحديدًا، أفكر كثيرًا في ذلك النمط من المحتوى والآثار التي يمكن أن يخلفها في نفس الطفل المُشارك في المقطع والمُشاهد له، خاصة والأطفال فئة شديدة الحساسية لكل ما هو غير مألوف وجديد، فهل يستوي حقًا أن نُشارك تطور شخصياتهم وطبيعتهم البسيطة مع آلاف بل ملايين المشاهدين يوميًا؟

بنظرة سريعة على المحتوى العربي في هذا المنطق، أستطيع أن أستشف عدة سمات مشتركة لكل المقاطع الأسرية المصوّرة، أو دعنا نَقُلْ أغلبها. يأتي في مقدمة هذه السمات، كون غالبيتها تتصل بالكوميديا والمحتوى الفكاهي، بوصفه الاختيار الأول لأي مدوّن غير مختص، فكاهة وسخرية، وفي الغالب رقص أو مقالب قد لا تكون محبوكة تمامًا، المهم أنها تعتمد على أشهر الاستمالات الإنسانية للمستخدمين كي تروق لهم من أقصر الطرق. عندما أفكر في التدوين الأسري المُصوّر، قد لا أستطيع أن أستحضر في رأسي نموذجًا تربويًا واحدًا، يقدم رسالة ولو بسيطة بين طياته. لا أقول إن الفكاهة مذمومة بالتأكيد، ولكن عندما تغيب الرسالة ويغيب المعنى، هنا نحن نستغل الطفل و"نسلعه"، ونحوله لآلة تجتر الإعجابات والمشاركات، بطلاقته وعفويته، والأخطر عدم إدراكه لمفهوم التصوير والاستعراض. أحد الأمور الملتبسة أيضًا، أن يرتبط مفهوم المكافأة والثواب لدى الطفل بكم "اللايكات" التي يستطيع أن يجلبها إثر نكتة يلقيها أو لفظ خارج يتقوّه به، أي انتهاك لحقوق الطفل هذا؟!

في العمل الإعلامي اليومي لدينا بالطبع ضوابط مُحددة لظهور الأطفال في الوسائل الإعلامية، تشملها المدونات الأخلاقية للعمل الإعلامي، فعلى الطفل أولًا وأخيرًا أن يظهر إعلاميًا بعد موافقة الوالدين، وعلمهم الدقيق بمجريات التقرير أو الفقرة البرامجية، وكذلك على الوسيلة الإعلامية ألا تعرض الطفل لما قد يسيء إليه عند الكبر، أو يُسبب له الخزي والخجل، أو يلحق به أي ضرر، فهل نحتاج في عصرنا الجديد هذا أن نضع مدونات أخلاقية جديدة تحظى بالمرونة الكافية لملاءمة محتويات مواقع التواصل الاجتماعي، التي يقدمها ذوو الأطفال وفقًا لخطط أكثر عشوائية؟

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.