.
.
.
.

المقارنة الزائفة الزائفة

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

قبل بضع سنين انتشر مقطع يتكلم فيه طبيب عن تجربته بعد إصابته بمرض كورونا، ذلك أنه لما تشافى من المرض اكتسب مناعة ضده، وهو عجيب، خاصة لما عُرِف عن هذا الفيروس من شراسة، والمبدأ نفسه يحصل في الجسم عند التطعيم، فالفكرة أن يجرب جهاز المناعة هجمة بعض أعدائه لكي يتسلح ضدها لو رجعت في المستقبل، لكن لن يقتنع بعض من ينتمي إلى طائفة مضادة للتطعيم في الغرب ويرفضونه تمامًا وينادون بأنه ضار، فلو شرحتَ المبدأ السابق – أن يذوق الجسم المرض بصورة خفيفة ليقوّي جهاز المناعة ويزوده بالأسلحة اللازمة لمحاربته في الجولة المقبلة – لحاولوا تفنيدها بأن يذكروا نقاط اختلاف بين الحالتين، مثل: «ولكن تلك الأمراض طبيعية! بينما التطعيم صناعي وغير طبيعي!».

رأينا في مقالة سابقة مغالطة منطقية اسمها المقارنة الزائفة؛ حيث يساوي الشخص بين شيئين ثم يختم بالاستنتاج وهو رأيه الذي يريد الانتصار له وبيان صحته، ورأينا كيف أنها مغالطة شديدة الانتشار ولا تكاد تَسلم منها أي مجادلة، وأساسها إيجاد عامل مشترك، لكنه عادة شديد العمومية ولا يساوي بين جوهر الشيئين المقارَن بينهما، وبمجرد أن تنتبه لهذه النقطة تعرف طريفة تفنيد المغالطة.

غير أن هناك مغالطة أخرى طريفة ظهرت بسبب ذلك واسمها المقارنة الزائفة الزائفة، وهي التي استخدمها هنا مضادو التطعيم، فعكس الأولى التي لا يصح فيها مساواة شيئين؛ لأن الاختلاف بينهما جوهري، فهنا الاثنان متشابهان فعلاً، لكن يحاول الشخص نفي الاختلاف بالإشارة إلى فروق صغيرة، وفي المثال السابق نرد بأن طريقة تعرض المناعة للجسم الغريب لا تؤثر بالضرورة في ردة فعلها.

تخيل أن شخصًا أُعفِي من منصب إداري؛ لأنه متسرع عصبي انفجاري، وأثناء المفاضلة بين المرشحين يختار شخص مرشحًا يشبه المدير السابق (المُعفى) في طبعه، ويرفض البقية هذا الاختيار لافتين انتباهه إلى العامل المشترك المهم، فيرد مغضبًا: لكن مرشحي له أعمال خيرية! وهو أحسن مظهرًا! ودرجاته أعلى في الجامعة!

فروق لا معنى لها هنا ولو كانت صحيحة؛ لأنها لا تناقش لب المقارنة، وهذا أساس هذه المغالطة، وأخيرًا لا شك أن كل شيئين ستكون بينهما فروق صغيرة وإلا كانت هذه مطابقة لا مقارنة.

*الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.