.
.
.
.

المنظمات والحق الجمعي

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

إن حقوق الإنسان حق جمعي، في ضوء ما يمر به وطننا العربي من المحيط إلى الخليج، ومن الشام إلى اليمن، فالحقوق ليست مختزلة في تميز عرقي أو حق امرأة بقدر ما هي حقوق شعوب يجب أن تحيا في استقرار وحب وسلام..

اعتدنا دائماً أن نعود إلى فهم المصطلح قبل الخوض فيه، كما يجب على كل من أراد الحديث في أي مصطلح؛ ذلك لأن فوضى المصطلحات أصبحت ظاهرة تبلبل المفاهيم وتفسد مقاصدها وحتى وظائفها، وخاصة بعدما سادت فوضى المفاهيم، وتمنطق بها المناطقة المتثاقفة، حينها تساءلت عن مفهوم مصطلح (حقوق الإنسان) بالمعنى الاصطلاحي والأكاديمي حتى يتسنى لنا النظر فيه أو حتى مناقشته.

فهو كما دُوّن على موقع المنظمة نفسها: (حقوق الإنسان حقوق متأصلة في جميع البشر، مهما كانت جنسيتهم، أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم الوطني أو العرقي، أو لونهم، أو دينهم، أو لغتهم، أو أي وضع آخر.

إن لنا جميعاً الحق في الحصول على حقوقنا الإنسانية على قدم المساواة ومن دون تمييز، وجميع هذه الحقوق مترابطة ومتآزرة وغير قابلة للتجزئة).

هذا هو الميثاق الذي اتخذته المنظمة الدولية عهداً على كاهلها مصحوباً بالصكوك الشرعية لها؛ وهي الصكوك القانونية التي تساعد الأمم المتحدة في حماية حقوق الإنسان كشرعية دولية لحقوق الإنسان.

وكان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 هو أول وثيقة قانونية معنية بحقوق الإنسان العالمية، ويمثل الإعلان جنباً إلى جنب مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما بات يعرف بـ"الشرعية الدولية لحقوق الإنسان"، ومنذ العام 1945 اعتمدت سلسلة من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وغيرها من الصكوك مما وسّع من حجم القانون الدولي لحقوق الإنسان".

نحن مع كل ذلك.. فديننا الحنيف هو أول من أسس للإنسان حقوقه، إذا أنه لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى، هذا الدستور الأخلاقي الموجز اختصر كل حقوق الإنسان من كلام وحرية واستقلال وعدم تمييز وقل ما تشاء.. ثم إن وصيته - صلى الله عليه وسلم -: "رفقاً بالقوارير" هي ما تجسد لنا كل حقوق المرأة على نطاق واسع.

لكن من اللافت للنظر هو ما نراه اليوم بل وبالأمس القريب ما تتخذه هذه المنظمة من خطوط متوازية، والخطوط المتوازية دائماً وأبداً لا تتقابل، وتلك حتمية رياضية.

فإذا استقرأنا المصطلح نفسه فسنجد أن لفظ الإنسان هو كل إنسان على وجه الأرض وهذا هو مفهوم المصطلح، إذ يعتبر اللفظ مجازاً كل من جزء، بينما نجد أن الاهتمام الفردي هو السائد، وغالباً ما نجده بحسب الهوى، ولا أريد أن أخوض في خضم تفاسير يطول شرحها في هذا المضمار، إنما ما يقلقل المصطلح نفسه ويزحزحه من مكانه هي تلك الانتقائية، والأدهى من ذلك أنه أنتج تسييسه في أمر ملحوظ، وهذا ما يجعل الإنسان كفرد يفقد مصداقيه القائمين عليها بل والشك في نواياهم، حينما تتجاهل ذلك الجمع الإنساني الواضح للعيان وكأن غشاوة أصابت الحدقات ففقد المصداقية والهدف للتمييز وفقد التمييز نفسه، وهذا أمر يدعو للغرابة والدهشة!

لقد أصبح المنهج الجمعي مقياس النجاح، فانتهجته الدول الكبرى في كل المجالات فأعطت وتقدمت، وكنا نشير وننبه إلى ضرورة العمل الجمعي الباعث على الحب والسلام والوئام والمتعة المؤدي دائماً إلى النجاح والابتكار والتألق والنمو سواء على مستوى الجماعة أو حتى على مستوى الدول نفسها، فلا مكان للفردية في العصر الحديث وفي علوم الاجتماع والاقتصاد والفلسفة وكل علم يؤدي إلى ما يسمى بالتنمية المستدامة، بينما نجد أن العمل في تلك المنظمات لا يعمل إلا على المستوى الفردي أو قل الانتقائي.

فلماذ لا تنظر هذه المنظمات إلى الجمع الكلي من المجتمعات وإلى ما تقوم به مؤسساتها وما ينهض به، فتشيد بها وتكافئها وتدعمها.

أو إذا ما وجدت انتكاساً أو نكوصاً فتنبه وتناشد وتتخذ قرارات ذلك من أجل استقرار الإنسان الذي هو جمع لا فرد؟

أمر غريب أن نجدها تتبع أحد المساجين وتملأ الدنيا ضجيجاً ثم يتضح لنا أنه يقع تحت طائلة القانون بينما لا تبصر أطفال فلسطين يذبحون كل يوم على الأرصفة وهم يلعبون في حاراتهم بفطرية مستفيضة لا ناقة لهم ولا جمل بما يحمله الساسة وما يتشدق به السياسيون! أين هي من نساء وأطفال اليمن الذين ينامون بين أنياب الفرس ورصاص الحوثيين بأسلحة إيران؟ وأينها من النازحين السوريين في الخيام في مقتبل الشتاء وعلى أعتاب الثلوج وغزارة المطر؟ فحق الإنسان ليس وتداً يدق أو علبة غذاء تقذف وإنما حقه أن يستقر في وطنه بأمان، فما ذنب الأطفال والشيوخ والنساء الحوامل والعجائز؟.

لقد كنا نشاهد الأطفال والنساء والشيوخ يُحملون في قاطرات بعيداً عن نار الحرب العالمية ويوضعون في أماكن آمنة ومستقرة، وهذا حينما كان للحروب أخلاق.

وعلى صعيد آخر لا نجد صدى في أرجاء المنظمة لما تبذله حكومات مثل المملكة ومصر لحقوق الإنسان بشكل جمعي متمثل في إنشاء المدن ومحاربة الإرهاب وتحسين العيش والاقتصاد وبناء آلاف الأفدنة من المزارع ومكافحة البطالة وقل ما تشاء.. وهذا على عكس ما وجدناه في قضية فردية كقضية خاشقجي أو ريجيني على سبيل المثال، وما تروج له منظمة هيومن رايتس المسيسة! فهل أصبحت حقوق الإنسان منابر سياسة؟ وإن كان ذلك كذلك فلا أمل في تحقيق الحق الإنساني الشامل وبأي طريقة!

إن حقوق الإنسان حق جمعي في ضوء ما يمر به وطننا العربي من المحيط إلى الخليج، ومن الشام إلى اليمن، فالحقوق ليست مختزلة في تميز عرقي أو حق امرأة بقدر ما هي حقوق شعوب يجب أن تحيا في استقرار وحب وسلام.. فإلى متى؟ ومتى تقرأ المنظمات المصطلح؟.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.